يعيش عالمنا اليوم، أو في العقود الأخيرة المنصرمة، عولمة في جميع ميادين حياتنا، وبجميع أساليبها المتعددة، وصارت تؤثر فينا سلبا وإيجابا، ولم يسلم منها إلا القلة القليلة.

وكذلك نعيش في زمن المدينة الواحدة، بحيث أنه يبدو لنا العالم كأنه بوتقة واحدة؛ تجتمع فيها المجتمعات والشعوب، وبمختلف مستوياتهم، يشتركون ويتقاسمون التقاليد المحدثة والدخيلة، والأسلوب الحياتي الموحد كأنها دولة واحدة عملاقة.

 

فترى أن النظرية أو الفكرة المستجدة في مشرق الأرض تصل إلى مغربها في غضون يوم أو أقل مع فارق بعد المسافات وإختلاف العادات والتقاليد، ومع دور الآلة الإعلامية البارز بمختلف أنواعه، صارت استساغة، ووصول الثقافات، أسرع من أي وقت مضى، والإنترنت بصفة خاصة أخذ نصيبه الأوفر.

وهذا إن بدا مفيدا وأثر في حياتنا اليومية بصورة إيجابية؛ من سهولة الإتصال الإنساني والتبادل الفكري والثقافي؛ إلا أنه غير مجرى حياتنا الأصيلة والمتصلة إلى أصول عريقة قديمة، متوافقة مع واقع حضارتنا والبيئة التي عاشها أجدادنا ونعيشه اليوم، وعملت الفصل أو القطع الثقافي بين ماضينا وحاضرنا، وجعلتنا قزما ثقافيا لا نعرف أصلنا عن فرعنا.

إنه زمن السوق الواحد والإعلام الواحد والسياسة الواحدة، والثقافة الواحدة، وحتى أنه لم تسلم منها أية بلاد مهما كانت حضارتها عريقة.. فبلادنا العربية تعتبر من أسرع البلدان تأثرا بالحداثة الغربية أو الأجنبية عموما، فترانا نتأثر بكل ما له علاقة بالتطور وتغيير نمط الحياة وتحسينها على حسب ما يروجه لنا الإعلام اليوم وأصبح كل ما ينتج ويروج من نصيبنا وأصبحنا أسواقا خصبة ونشطة للشركات العالمية التي تورد لنا الثقافات والمواد المستعملة، ونحن نلتهمها بدون ترو وتفصح مسبق.

وهناك ما لا يمكننا أن نتغافل عنه، هو أن الإنسان الذي يعيش مع عصره ومستجدات زمنه لا يمكنه أن ينفصل عن العصر الذي يعيشه مهما حاول وتصرف، فهذه الثقافة الدخيلة مع كونها لا تليق بنا؛ ولكنها أصبحت هي السائدة بين أوساط المجتمعات، ووسما للمجتمعات المتحضرة، ولكنه مع كل ذلك لا يخلو من معايب تضعف مصداقيتها وتخلو من شروط قبولها لدى مجتمعاتنا.

فكما كان للدول عادات  وطقوس خاصة بها، وكذلك فنون وهندسة معمارية تعرف بطابعها الثقافي والتاريخي؛ الذي يعبر عن قدم حضارتها وما قدمت للإنسانية منذ أمد مديد، فنحن  في حضارتنا العريقة التي قدمناها للبشرية جمعاء هي التي كنا نستنير بها في عصور خلت، وكانت منارة يهتدي بها الباحثون عن الارتقاء المجتمعي، وكان الأوروبيون ومن جاورهم يشقون السبل لكي يجدوا ضالتهم بين أوساط إماراتنا وبلادنا، وهذا كان حالنا في أزمنة خلت، ولكنها اليوم باتت حكايات المجالس، ولم يبق منها سوى المكتوب في السطور.

واليوم نستلهم طقوسا وأسلوب حياة وحتى طريقة تفكير مستورد من بلاد الغرب، وهذا ما تسبب لنا التبعية العقلية والفكرية، إلى أن صرنا نقلد أي شيء مهما كبر أو ضعف وزنه.

وعلى ما أعتقد، فإن شعبنا يعاني من فقدان للهوية والأصالة الوطنية، الذي من شأنه أن يفرق بين مفهوم الحداثة المعتدلة والتي تسد من حاجتنا الأساسية وبين الحداثة التي تكون على حساب ثقافتنا وتقاليدنا، وإنه لأمر جلل وغير يسير، والذي يراد من مثقفي مجتمعنا أن يعاملوا هذه الأمر على محمل الجد وتوعية الشعب، والدولة من جانبها أن تجعل في عاتقها المسؤولية الوطنية في تنمية وتطوير الوعي المجتمعي حيال الحفاظ على التقاليد ومراعاتها.

وأختتم كلامي، من أن الحداثة التي نبحث عنها ليست هي التي نتعامل معها اليوم، وإنما حداثة مقيدة بوازع ديني بحت؛ لأن الله قد تكفل لنا جميع إحتياجاتنا حتى الدنيوية منها في كتابه العزيز، وما أناره لنا حبيبنا المصطفى صلاة الله وسلامه عليه، وكذلك الاعتدال بين الاستفادة من جديد عصرنا وبين ما كان لدينا من تقاليد وعادات فضيلة عايشنا معها أزمانا، وصارت سمة يعرف بنا وبحضارتنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

..., نحن, و الحداثة
عرض التعليقات
تحميل المزيد