الفارغون يشتكون من الملل، والمشتغلون يشتكون من قلة الوقت للإنجاز، وبين هذا وذاك قلة من الناس يخلقون لكل عمل وقتًا مخصصًا، وتجد حيزًا من الفراغ لكل أمر مفيد، وهؤلاء هم الأكثر إنجازا ونجاحًا.

ولنسأل أنفسنا، ما هو ترتيب العمل الذي سنقوم به في جدول اهتماماتنا؟ وما هو الحافز على إنجازه؟ الناس بالنسبة للعمل – أي عمل، وليس المقصود العمل الوظيفي – قسمان: قسم الأصل عنده الراحة والاستثناء هو العمل، وقسم الأصل عنده العمل، وإنما الراحة تكون للعودة إلى العمل.

لا أريد أن أتعمق أو أقرر مصطلحات  وأدعي شرعيتها، لكن بنظرة واحدة  إلى كلام الله تعالى الموجه إلى نبيه بقوله فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ نجد أن فعل (فرغ) يفيد أن فاعله كان مملوء بشيء، ويقول المفسرون: إن (فراغ الإنسان مجاز في إتمامه ما شأنه أن يعمله. والمعنى: إذا أتممت عملًا من مهام الأعمال فأقبل على عمل آخر بحيث يعمر أوقاته كلها بالأعمال العظيمة) فالأصل هو النَصَب، وهو ليس براحة، بل هو تعب، وعلى الناس أن يتعبوا في هذه الدار ليخرجوا منها إلى دار لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ.

الآن قف مع نفسك لحظة واحدة واسألها سؤالًا واحدًا – هل الأصل عندها الراحة ام العمل؟ وقارن بين ما تصرفه لراحتها وما تصرفه لشغلها،  وقس دافعيتك نحو العمل وميولك نحو الراحة، إجابتك الحالية يتوقف عليها مستوى إنجازك الوظيفي، وتؤثر بشدة على نتيجتك في هذه الحياة.

كلنا سمعنا قصة جبرالتي التي أصبحت مثلًا، وجبر رجل على شاكلتنا، سافر في البلاد حتى مر على مقبرة، كتب على شواهد قبورها عبارات غريبة: فلان: ولد عام 1890، وتوفي عام 1985، لكنه عاش خمس سنوات، علان: ولد عام 1910 ومات عام 1965، لكنه عاش سنة واحدة، ابن فلان ولد عام 1905، ومات سنة 1930 لكنه عاش 50 سنة. فلما سأل عن الأمر أُخبر أن أهل البلدة يقيسون الأعمار بالأعمال والإنجازات، فقال لهم: لو مت في بلدتكم فاكتبوا على قبري (المرحوم جبر… من بطن أمه إلى القبر).

الإنسان الذي يمضي عمره على برامج التواصل الإجتماعي هو جبر ، الإنسان الذي يمضي عمره في طلب الراحة والكسل والخمول هو جبر ، الإنسان الذي كان آخر كتاب قرأه هو كتاب المدرسة أو الجامعة هو من يومها جبر، الإنسان الذي لا يعمل إلا بعد إلحاح مديره وتكرار الطلب منه هو جبر أيضًا.

إنك لو اقتنعت في تفعيل وقتك والعمل والإنتاج ، لابد لك من خطة تسير عليها، وهدف تسعى إليه بل قل أهداف تسعى إليها، لو افترضنا انك ستفعل كل يوم دقيقة واحدة من وقتك المهمل الضائع، دقيقة تشغلها في تعلم علم جديد، ولنفترض أنك كل يوم قرأت صفحة واحد في كتاب علمي بعد شهر واحد سيكون عندك كمية جيدة من المعلومات حوله.

لو افترضنا أنك خصصت خمس دقائق يوميا اقتطعتها لترتيب حديقة منزلك، أو أمام خيمتك، لن يستغرق الأمر أكثر من أسبوع واحد لتحصل على مظهر مميز جدًا. الذين ينجزون ليسوا خارقين، هم أشخاص مثلي ومثلك، لديهم عائلة وعمل وجدول مهام، الأسبوع عندهم سبعة أيام، واليوم 24 ساعة، والساعة 60 دقيقة، لا فرق بيننا وبينهم سوى أنهم عازمون مخططون يعرفون ما يفعلون.

أنت تملك الكثير من الوقت لتعمل الكثير من الأشياء، اجعل رؤيتك واضحة، وهدفك محددًا، ووسائلك مشروعة، استعن بالله ونظم وقتك وانطلق، لكن لا تنس دومًا أن تعمل بنصيحة وهي:

خطط ونظم واستشر لكنما                            لا تنس أن الله بفعل مايريد

بعد انتهاء عمرك سيبقى عملك فقط، الهراء والترهات لن تكون في كفة حسناتك، هي على الأقل محايدة أو ضدك، فاشغل نفسك قبل أن تشغلك بملذاتها وكسلها، والأمر لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد