كلنا فاسدون، لا أستثني أحدًا حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.

كلمات سكنت الذاكرة لسنوات، بل تردد صداها كلما مررت بشارع تكدست به النفايات، وتراقصت حولها القطط على موسيقاها الحزينة، كلما شاء القدر أن أكون من طالبي خدمة بإحدى الإدارات؛ فالمشهد متكرر، فغياب أو تأخير، وواجب التآزر للموظف ومواطن ضعيف الحيلة أرهقه الانتظار في صفوف متداخلة، وكلما تأملت حالنا اليوم وحال مجتمعاتنا فكل القيم إلى زوال فالصدق، الثقة، والعمل، وكل أخلاقنا الجميلة تضمحل وتتلاشى كل يوم، بل معاملاتنا الحسنة إلى زوال.

مشهد جميل من فيلم «ضد الحكومة» للفنان الراحل أحمد زكي لخص كل شيء عن حالنا وعن مجتمعنا العربي، أينما كنا فكلنا متشابهون، ما أجمل أن تقف وتعترف بكل أخطائك، بل تعلن التوبة، والأجمل أن تشير إلى فساد جيل من السابقين بالفكر والفعل، أصل الحكاية بسيط؟ وتفاصيل الفساد مركبة؟

أصل الحكاية

مصطلح الحلقة المفرغة بكل ما يعنيه اقتصاديًّا، وسياسيًّا، وحتى اجتماعيًّا، يتطابق مع حكايتنا؛ فالأخطاء في ترابط سببي تنتج أخطاء تزيد وتكبر لتعود لنقطة البداية. والبداية بسيطة في رأي: موارد وامتداد جغرافي، ومنافذ على البحر، وبوابات على الصحراء، هي مميزات تسيل لعاب الطامعين والعابثين، وتثير رغبتهم في التوسع والتطور. وهنا كان الاحتلال الفعلي، ومن ثمة كان الوجود والبحث عن الاستقرار، وغرس اللغة والموروث، وبالأساس تغيير المفاهيم لتقبل الآخر، فالاحتلال أصبح حماية، وكم نحن حقًا في حاجة لها، سنوات مرت وأتقنا اللغة وأتقنتنا هي، كل صفات المحتل، أو إن صحً الحامي، وأصبح «جون» و«فيليب» وغيرهم. من مروا على تراب وطني أيقونة الهوية العربية.

كان الأمر وطرد المحتل بقوة السلاح ورقة الديبلوماسية، وغادر الحامي محميته تاركًا «جون» و«فيليب»، وسلالة مهجنة تتكلم العربية وتتقن لغة المحتل، ومرة أخرى تتغير المفاهيم لنصفق لخروج فعلي ووجود بالتفويض والوصاية، تحكم عن بعد سابق لثورة التكنولوجيا وعصر «الدرون» ومعاهدات ما وراء البحر تحكمنا، وترسم طريق تطورنا. جمهورية، وجمهور، ودستور، وبناء دولة قوية تعيد الهوية العربية وتقطع مع الحامي، هذا حلم السابقين والمؤسسين الوطنيين، وبالفعل كان الرهان صعبًا ولكنه جميل ومحفز، التعليم والصحة، وبناء مؤسسات قوية تسير وتحفظ الوطن ترابيًّا وإداريًّا، وكانت السياسات المتبعة عبارة عن تجارب ترسم واقع المرحلة الاجتماعي والاقتصادي، وأكيد تفاوت في نسب النجاح، وفي مدى ملائمة الموارد للأداء المتوقع.

أمام التطور الطبيعي للمجتمعات تغيرت السياسات، وأنتجت أشخاصًا من هنا وهناك، امتلكوا آليات الإقناع، ومحركات الإعلام، ودعم الحامي، وحلم ورهانات جديدة رفعت، مارسنا حقنا في الاختيار والانتخاب بين قائمات بألوان الربيع ضمت مترشحًا واحدًا، المنقذ ورجل المرحلة، وأكيد بمباركة «جون» ودعم «فيليب». حلقة جديدة في حلقات الفراغ عشناها بكل ما فيها، كانت نجاحاتنا ونسب رضا الآخر عنا مرتفعة، وواقعنا جميل، وجمهور الجمهورية مؤيد وموالٍ، والواقع الفعلي لا يمت بصلة للافتراضي، وهذا نجاح آخر لنا؛ فقد سبقنا بسياساتنا مفهوم الافتراضي، والمواقع الافتراضية، وعالم فيسبوك.

ربيع بزهور اصطناعية

رسم مرة أخرى الحامي لنا الطريق، وهيأ الظروف، وسرع في التفاعلات، وكانت الصدفة الغريبة ثورة الجمهور على الراعي، وهنا كانت فرحة الكل: الجمهور، والموالي، والمؤيد، وسلالة المؤسسين، وحتى ثنائينا المزعج جون وفيليب، الكل رابح، والكل متحمس لهدم المبني وبناء المهدم، وإصلاح المعطب وتعطيب الفاعل، وتصحيح الأرقام وكشف المستور، وحتى تعرية الوطن، المهم القيادة، والحال أن القيادة كانت من وراء البحر، وللبحر واجهات وتقسمت توجهات الساسة كلٌ يبحث عن حاميه، وعدنا لنقطة البداية البسيطة، الكل يعشق وطننا، ويستثمر حسب حاجته ورغبته، والكل يرسخ وجوده، ومرة أخرى أتقنا لغات جديدة وتقسمت هويتنا بين الشيخ وعثمان الأمس.

لن يدعونا بمفردنا؛ فهم حماة، وهم دعاة، وهم عرًابو الثورة، وهم مراقبو الديمقراطية، واليوم هم المانحون، وكل يريد التيسير، ويبحث له عن جون وعن فيليب الأجنبي المتعرب، أو العربي المهجن.

هذا أصل الحكاية، بسيط، وتفاصيل الفساد مركبة، تعددت أساليبه، واختلف مرتكبوه وشمل الكل. كلنا فاسدون، لا أستثني أحدًا حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك