كل خير درجات، بعضها فوق بعض، وكل شر دركات، بعضها تحت بعض، وفي الخير والشر هناك كل الألوان، ليس الوضع دائما إما أبيض أو أسود، ليس صحيحا أن كل إنسان إما صالح أو طالح، ليس صحيحا أن كل شيء إما خير أو شر، في كل ما سبق هناك درجات كثيرة ما بين الأبيض والأسود، هناك مساحة شاسعة من درجات اللون الرمادي في كل ذلك.

حين نقول: «كلنا فاسدون» لا نعني الفساد المطلق، أو الإفساد في الأرض، أو درجة واحدة من الفساد، إنما نقصد أن كلا منا على شعبة من شعب الفساد، كبرت أم صغرت، والواجب أن ينتبه إلى ذلك المقدار من الفساد وإن صغر ودق، وليعمل من وضع يده على الداء ما بوسعه لوصف الدواء وتناوله بدقة وانتظام.

كل منا يستطيع أن يكتشف بنفسه مظاهر فساد في نفسه وإن كانت دقيقة خفية، لكنه لو واجه نفسه بها فعلا لأيقن بذلك، هناك تصرفات ربما يفسرها كل منا تفسيرا يؤكد حسن النية أحيانا، أو الغفلة أحيانا، أو تحقير شأن تلك التصرفات واعتبارها عادية جدا ولا ترقى لمكانة تسمح لها بتفسير دوافعها وفلسفتها، وكل هذا لا ينزع عن تلك التصرفات أنها «غير سوية» وتميل إلى كونها «فسادا» بشكل ما.

* نكون في دعوة إلى حفل ما، أو استضافة في فندق على حساب راع لعمل ما، فتجد البعض يتناول من المشروبات أكثر مما يتناول في بيته، وربما كان الطعام في «بوفيه مفتوح» فتجد البعض يأكل أكثر من عادته وطاقته، ويزين كلا من الطبق الرئيس وطبق الحلو بكل صنف يجده، وربما يتصرف البعض بخلاف الإتيكيت والذوق العام فتصطحب المرأة في حقيبة يدها ما تتمكن من حمله.

* ربما في الفندق أيضا تجد البعض يستخدم أدوات وكماليات النظافة بإسراف غير مبرر، سواء الصابون أو الشامبو أو اللوشن أو المناديل الورقية، وربما التليفون، وخاصة الإنترنت، فتجده يستغل الإنترنت المجاني بتحميل ما يشاء بطريقة لا يفعلها لو كان هو من يدفع الفاتورة آخر الشهر، لكن ولأن كل شيء مجاني، تجده يسرف ويبذر في كل مجال.

* إن كل من يتخطى الطوابير في المصالح العامة أو الخاصة يقترف نوعا من أنواع الفساد، فهو يأخذ حق غيره، ويتقدم على من سبقه بالفعل، حتى لو كان ذلك مجاملة من الموظف له، فهو يشارك الموظف فساده.

* إن من يجد في الشارع شيئا ثمينا ثم لا يسلمه إلى الشرطة، بزعم أن هذا رزق ساقه الله إليه، فقد أتى شكلا من أشكال الفساد.

* إن من يهتم بمعرفة نسب أو منصب من يقدم له خدمة في عمله، إنما يزرع في قلبه التقرب والتزلف إلى ذوي الأموال والمناصب إذا تطلب الأمر مستقبلا، فإذا صارت عادة له كان مشروع فاسد باحتمال كبير.

* إن الموظف الذي لا يجد حرجا في استخدام أوراق المؤسسة وآلة التصوير والأدوات المكتبية وأشباه ذلك من ممتلكات العمل، يستخدم كل ذلك في أغراضه ومصالحه الشخصية، إنما يمثل بذلك لونا من ألوان الفساد.

* إن الموظف الذي يستغل سيارات المؤسسة في حمل متاعه أو قضاء حوائجه إنما يعمل عملا لا تفسير له إلا الفساد.

* إن الموظف الذي يستغل موقعه في المؤسسة ليقوم بتوظيف آخرين من أقاربه أو معارفه أو غيرهم، في حين أنهم غير مؤهلين لتلك الوظائف، فقد ارتكب إثم الفساد بلا شك، إلا أن يكونوا قد استوفوا شروط التوظيف دون وساطة.

* إن الموظف الذي يكلف المؤسسة أعمالا تستوجب السهر بعد العمل، أو التنقل، أو السفر، أو الاستضافة، أو الاحتفال، أو التكريم، أو أي نشاط يكلف المؤسسة مصروفات أو بدلات، وهو في كل تلك الحالات أو بعضها أو حتى واحدة منها، فهو قد ارتكب شكلا مباشرا من أشكال الفساد، واستحل المال العام وأهدره.

* إن المسؤول الذي يضع التقارير للموظفين بحسب الهوى أو العلاقات الشخصية أو التوافقات الفكرية، إنما هو عنصر فساد في مؤسسته، خاصة إذا كانت تلك التقارير هامة في تثبيت قدم الموظف في مكان لا يستحقه، أو تستوجب تكريمًا في غير مكانه، أو تؤهل إلى ترقية ليس جديرًا بها.

* إن الموظف الذي يستغل اسم المؤسسة أو منصبه فيها، ليحصل على امتيازات ليس أهلا لها، أو فيما لا يفيد المؤسسة، أو يطلب من عملاء المؤسسة هدايا شخصية، تصريحًا أو تلميحًا، إنما يرتكب فساد استغلال المنصب، حتى لو كان القانون لا يعاقب على ذلك.

كل تلك المظاهر وغيرها الكثير والكثير، تعد أشكالا من الفساد، بتفاوت بينها في درجات الفساد. على كل من يجد بذرتها في نفسه أن يقتلها قبل أن تظهر في العلن وتحيا سافرة، حينها يكون الخلاص منها جهادا ومجاهدة لا ينجح فيه كل أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد