البعض منا في هذه الحياة يعتقد أنه الملاك الوحيد على وجه الأرض في عالم مليء بالشياطين، ولكن الحقيقة المؤلمة التي قد لا تعجب البعض أننا فاسدون، ولا أستثنى أحدًا من تلك المقولة، فمن يجلس مع نفسه في خلوته ويستعرض حياته فسوف يجد فيها الكثير من أنواع الفساد، سواء كان هذا الفساد كبيرًا أو صغيرًا.

فليس الفساد ـ يا سادة ـ في الرشى، وفى سرقة أموال الشعب من خلال كبار المسئولين، ومن خلال رؤساء البلاد، فالموظف الذي يختلس بعض أوقات الدوام، فهو فاسد، ومن يأخذ ورقًا من مقر عمله، فهو فاسد ومن يقبل رشاوى فهو فاسد، ومن يضحك على أهله فهو فاسد، ومن يختلس النظر إلى حرمات جيرانه فهو فاسد، والمحامي الذي يقبل قضية اغتصاب أو مخدرات، وهو يعلم أنه جان، ويستحق العقاب على ارتكابه الجريمة، ولكن يسعى بشتى الطرق لإثبات البراءة، فهو فاسد، فأنواع الفساد كثيرة ومنتشرة بأشكال مختلفة.

وغيرها من الوظائف التي ليس وقتها لحصرها وعرض نماذج منها، فنحن يا سادة فاسدون، ولكن بدرجات متفاوتة، فالبعض يقول إنها مجرد مجاملات بسيطة لقضاء بعض المهام، وكل على حسب وظيفته ومن يصمت على الظلم أو مساعدة الآخرين في الحصول على حقوقهم فهو فاسدًا.

حقًا يا عزيزي كلنا فاسدون، وكلنا مغيبون، وكلنا يعتقد إنه بشرًا من نوع آخر، ولكن إذا أردنا أن نغير من حال البلاد، فلابد أن نغير من أحوالنا وأنفسنا أولًا، فالدولة تتكون منا، فنحن الشعب، فإذا استطاع كل منا أن يغير سلوكه، فسوف تتغير أحوالنا ونقضى على الفساد.

فمن يصنع أزمة المواد الغذائية وأرتفاع الأسعار ونقص العديد من السلع، في الحقيقة هو نحن من خلال مجموعة من التجار الذى اختاروا الدنيا عن الآخرة، ومن خلال اللصوص «المودرن»، وهم رجال الأعمال اللذين أرادوا أن يحصلوا على الأرباح والمليارات من خلال دماء الغلابة، ومن خلال استغلال الفرصـــــة للربح السريع.

فالكثير يقوم باحتكار السلع وتخزينها بكميات هائلة، فينقص المعروض في الأسواق؛ وبالتالي تتحرك الأسعار ويصل الحال إلى أزمة، مثلما حدث في السكر وغيره، للأسف الجميع يسعى في الدنيا، ولم يفكر يومًا في الآخرة وعذابها، ولكن التفكير في المال.

إنه «فيروس» الفساد الذي أصبح مرضًا خطيرًا، يكاد يكون أخطر من الطاعون الذي انتشر في جميع أرجاء البلاد، إنه مرض العصر، وكل عصر، فهذا المرض عندما يدخل في جسد الإنسان لا يخرج منه، بل يتوغل بداخله، ويحوله إلى شيطان في صورة إنسان ينهب ويسرق ويقتل من أجل المال والسلطة والمناصب الزائفة، فالكثير منا يعلم أشخاصًا تحولوا إلى جبابرة وفاسدين، وذلك من أجل المال.

فحالات الفساد والسرقة والرشاوى كثيرة في كل أنحاء العالم، فهي ليست قاصرة على مصر فقط فهو فيروس عالمي اقتحم قلوب البشر، وقد جعل قلوبهم كالأحجار قاسية، ليس بداخلهم أي نوع من أنواع الرحمة والرأفة، وإذا كان هذا هو حال الشعب، وكل شخص يبرر لنفسه السرقة أو الرشوة أو الأختلاس أو أي نوع من أنــــــواع الفساد بحجة أن الجميع مثله، وأصبح المسئولون والوزراء والحكام يسعون بشتى الطرق للحصول على الغنيمة من خلال سرقة أموال الشعب، وتهريبها إلى الخارج أو من خلال تنصيب أهلــه وأقاربــــه في وظائف مهمـــــة في الدولة.

ولا أحد ينكر أن الوظائف في الجيش والشرطة بعضها، وإن كان أكثرها يتم من خلال المجاملات؛ لأننا تعلمنا وتعودنا على شيء، وهو ابن الضابط لابد أن يكون ضابطًا، وابن القاضي لابد أن يكون قاضيًا وهكذا.

والغريب يأتي حاكم لا يملك من مقومات القيادة، سوى إنه يجلس على عرش البلاد، فهو يفتقد إلى الخبرة، وإلى الحنكة السياسية، وإلى لغة الحوار والتخاطب، ولا يملك حلًا للمشاكل الاقتصادية، ولا السياسية فهو يعتمد فقط على الكلام، ويعتقد أن الشعوب تنهض بالكلام فقط، وليس بالعمل والاجتهاد.

يا عزيزى كلنا فاسدون، فإذا كان المسئول أو الرئيس أو الوزير سارقًا أو مرتشيًا أو فاسدًا، فنحن من وفرنا له البيئة لذلك، بل نساعده على فعل ما يريد، فإذا كنا في حاجة لإصلاح البلد، فالمشكلة ليست في إصلاح الرئيس وحاشيته، فالمشكلة في إصلاح أنفسنا، وضمائرنا أولًا، والرجوع إلى الدين، والالتزام به في أفعالنا، وفي أقوالنا ونغير من نفوسنا المريضة والمصابة بمرض وفيروس الفساد.

فإذا كنت ترى نفسك لست بفاسد أو مرتش أو سارق أو خائن فانزل إلى الميدان، واطلب القصاص من الفاسدين، وإن كنت ترى نفسك فاسدًا فعليك بإصلاح نفسك قبل غيرك؛ فالحياة قصيرة، ولا نعلم متى ينتهي العمر، فكن إيجابيًا، وعاهد نفسك على أن تغير عيوبك أولًا قبل مطالبة الآخرين بتغيير أنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد