بات العالم مستشفى للأمراض النفسية، لا بد وأن لك فيه مكانًا.

عند وصولي لمنتصف المقال، وجدتني تائهًا بين الأفكار، كنموذج من نماذج التيه وسط الأفكار، وصعوبة تطويع الفكر، ولأن الموضوع متشعب جدًّا، لتداخل أزمة الإنسان النفسية والفكرية مع مفهوم السعادة.

أقف بداية على المقصود بالغيبوبة في هذه المقالة؛ لأنها تختلف عن الغيبوبة التي نعرفها، فهي غيبوبة العقل الذي يقرر ويفعل ويمتنع، ليصير عاجزًا مفعولًا به، أشبه بلوحة تطفو فوق البحر، تتلاعب بها الأمواج الصغيرة قبل الكبيرة. والبحر هنا هو الحياة، والأمواج هي الأحداث والتفاصيل.

عندما قلت «الغيبوبة» في العنوان، قصدت بهذا المرض الفكري والنفسي الذي يكون صورة أخرى للغيبوبة التي ذكرناها، وللتوضيح أكثر، نغوص ونتصور معًا في هذا المقال.

هل هي أسباب اجتماعية؟

بات العالم مستشفى للأمراض النفسية، لا بد وأن لك فيه مكانًا، الأعصاب متعبة والأبدان مرهقة، والبطون متخمة، والسكينة والطمأنينة اللًّتان تعودنا عليهما يتقلبان بين المجيء والهروب، إن البقال الذي اعتدته ضاحكًا منبسطًا مع زبنائه، عاد مكشر الوجه يفور دمه بعد أول سوء تفاهم، وجاري الذي تعودته يصبِّرني على هول الأيام وجبروت الفاقة والحاجة، أضحيت أنا من يصبِّره.

هل هي الأسباب الاقتصادية؟

فاتورة الماء والكهرباء أصبحت تخيفني كما يخيف أحدنا السجن المجهول، حتى أصبحت أتخيل أنها تأتيني كل يوم فاتورة، وأن الشركة ليس لها شغل إلا أنا تترصدني، وتثقل كاهلي، وتزيد علي في فاتورتي.

هل هي أسباب نفسية؟

سائق التاكسي، ذلك الرجل الذي اعتدنا رؤيته منبسطًا يفيض بالنكات والدعابات والتعليقات الساخرة على الركاب والسائقين، وشغفه الجنوني بنوعه الموسيقي المضحك، ناهيك عن مناقشته للركاب في كل الأمور بأسلوبه العامي العميق. لم يعد كما كان، بل صار شارد الدهن في سيارته، لا يعرف سوى أجرته وطريقه، ويفر من الجميع لصمته ووحدته، ولو حدَّثه أحدهم لا يستجيب إلا بالتكرار.

ما الذي حدث؟ هل هو زمن البؤس؟ أم أنا الذي يرى النقطة السوداء في التوب الأبيض؟ ما الأصل وما الدخيل علينا؟

هل صرنا نحلل واقعنا ووجودنا بعمق كبير جعلنا ندرك الحقيقة التي تقل علينا النوم؟ أم أننا في متاهة من التفكير المتناقض والعشوائي، جاعلًا إيانا نغرق في متاهة البؤس؟ أم كلا الأمرين؟

أسئلة وأخرى تطرح نفسها باستمرار، تجسد شعورنا بالغربة في أنفسنا ومجتمعنا. ما من أحد تسأله إلا ويؤكد لك انتشار الحزن. غير أنهم اختلفوا في السبب.

تجد من يرده إلى البعد عن المعبود، ومن يرده إلى سبب آخر سياسي، ومن يدعي المؤامرة المخطط لها مند عهود تترصد خطواتنا غير المحسوبة، ومن يرده للأسباب الثقافية والاجتماعية والنفسية، «والحقيقة ليست بأيدينا، بل نعتقدها ونسعى إليها، سالكين لها مختلف الطرق».

حتى الحوارات صارت متشاحنة حارَّة لا غاية لها سوى التصادم، الكل يرغب في إقصاء فكرة الآخر، دون الوقوف على الفكرة بالتحليل المنطقي الذي لا يخالف ملكة العقل، بل يرفضها لذات الشخص، وللغرور المعرفي (لنا مقال فيه باسم الأنا والغرور المعرفي).

القلوب اسودّت وتدنست بالحسد والحقد، وما ينطبق على الفرد ينطبق على الجل. ولا ننسى أن هذه المظاهر كانت قبلنا، وليست دخيلة، فالنفس البشرية تمر بالتجارب نفسها نوعًا ما، وغالبًا ما نبدي ردود الأفعال نفسها، نوعًا ما أيضًا.

هناك غيبوبة دينية، تتمثل في عدم الانسجام بين المعتقدات والأفعال بشكل كبير، وشعور المؤمن بالغربة في العصر، والتسليم بكل فكر يتلبس ويتوارى خلف الدين، دون نقد، وتناقض المعتقدات التي يكتسبها الفرد من أطياف عدة، فنصل لغيبوبة أخرى في النهاية.

غيبوبة فكرية، لها صور عديدة أبرزها الغرور المعرفي، الذي يمنع الشخص من رؤية واستبصار الحقيقة، أو التيه الفكري، وهو حين يجد الشخص نفسه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهذا حال أمة بأكملها، والأخطر هو تعود الاستهلاك الفكري، والعجز عن الإنتاج أو حتى النقد الذاتي.

ومن مشكلات عصرنا غياب التفكير المنطقي السليم نتيجة عدة أسباب، وبالتالي صعوبة التفكير المنسجم الذي يخلق شعورًا بالرضى وامتلاك السلطة على الذات؛ إذ إن السلام الحقيقي والسعادة، يكمنان في السيطرة على الذات، أو لنقل الانسجام مع الذات، بحيث نعرف تقلباتها التي تتنوع أسبابها بين اختياراتنا وجبروت الخالق.

لست هنا لأعطي للعالم حلًّا لغيبوبته، فلا أملك بلسمًا لجراحه القديمة والممتدة، ولست أهلًا لذلك حتى، لكن رأيي أن الكل يحتاج إلى التوقف مع الذات بين الفينة والأخرى لمساءلتها قصد التشخيص وتحليلها، وبالتالي علاجها.

أشير في النهاية إلى أن هذه الأسطر القليلة قد تستحق أن تكون موضوع بحث علمي. (لمن يهمه الأمر طبعًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد