في السيرة النبوية هناك قصة لأعرابي جاء للنبي الكريم، وسأله «لو أسلمت وشهدت أنك رسول الله وصليت وزكيت وصمت رمضان وحججت البيت وابتعدت عن الكبائر – لم يقل السيئات – أتضمن لي الجنة، فرد النبي: نعم، فأعلن الرجل إسلامه».

منذ أن قرأت تلك القصة وهي لا تفارق خيالي، بل بالنسبة لي تجسد جوهر الدين كما أنزله الله تعالي، الرجل لم يشغل باله بالأفرع، لم يستفسر عن الملبس الواجب لبسه: جلبابًا أم بدلة أم ثيابًا آخر، إطلاق اللحية، ارتداء النقاب، سماع الأغاني، لم يثره فضول لمعرفة مصير أهل الديانات الأخرى من سيدخل النار ومن سيخلد في جهنم ويلقى بئس المصير، وكأنه يستشهد بمقولة الحلاج «ديني لنفسي ودين الناس للناس».

نعم الدين هكذا، اتباع السنة والاكتفاء بالذات والعمل عليها لتلقى الله بأعمال حسنة قد تكون سبب في الغفران، هذا الرجل أطلق عليه دومًا صاحب الصفقة الرابحة، هو بسيط قدر بساطة الأديان واضح كوضوح تعاليمها منشغل بنفسه لا بغيره متبعًا خطواته ومحدد هدفه وعلى هذا الأساس عقد صفقته.

خلال الأيام الماضية طفت على السطح قضية قديمة متجددة للداعية سالم عبد الجليل وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، الذي طالب الأقباط بمراجعة دينهم؛ لأن عقديتهم على خطأ، وأنهم مخلدون في النار بحسب تفسيره لآيات القرآن الكريم، وبعيدًا عن رؤيته، يبقى الرد الأنسب الذي بدأ يظهر خلال السنوات الماضية من أننا جميعًا «كافرون»، وسيكمل من يقولها أن كلمة «كافر» في الأساس مشتقة من اللغة الإنجليزية «cover» ومعناها تغطية الحق بالباطل، ومن تلك الوجهة ينظر المسلمين للأقباط واليهود، والعكس صحيح وبالتالي لا ضرر من إطلاق كلمة «كافر» على أحد  ففي النهاية «كلنا كافرون».

تلك النظرة المغلفة بحديث مودرن وعصري ويدل على شخص «أوبن مايندد» ليست أكثر من نار تحت الرماد تهب في وجه الجميع، ونظرية سخيفة لا يعي من يقولها آثارها، فإن كانت الدلالة اللفظية أمرًا صحيحًا، لكن تأثيرها مصيبة في حد ذاته، وبالعودة إلى الماضي، فإن النبي كان لا يطلق على النصارى واليهود إلا أسماءهم أو إطلاق «أهل الذمة»، القرآن نفسه وهو مرجع للغة العربية استخدم كل لفظ على حدة، ولم يجمع بينهم وهو الكتاب الأبلغ، والحديث أن هؤلاء كفروًا لأنهم اعتقدوا أمرًا ما  بعيدًا عن صحيح المسيحية أو اليهودية أمر بعيد عن منطق هؤلاء.

والخطورة الحقيقية من ترديد تلك النظرية أن المراجعات الفقهية وكتب التراث المتشددة منها وغير متشددة تفصل بين المصطلحات، فالكافر يعني في بعض الكتب المتشددة وجوب قتاله أو دعوته للإسلام وإن رفض يقتل، وإلى كل ذلك من الأمور التي لا تؤدي إلى جرائم يدفع ثمنها الوطن وتزيد من جخيم النفق المظلم الذي نحياه منذ إنشاء الجماعات المتأسلمة، ووضع الأقباط واليهود في سلة واحدة من هؤلاء يعني المساواة بينهم وهو ما تلعب عليه كافة الجماعات المتشددة وتحاول ترويجه وتكراره لإقناع البعض بارتكاب أعمالها الإرهابية ببساطة لأنه «كافر».

وإن كان الإسلام قد نهى عن إيذاء أي إنسان أيًا كانت ديانته، ومنهاج حياته، فإن استخدام لفظ «كافر» على أي مختلف في الديانة تعد في بعض المرجعيات «تصريح بالقتل».

هناك جملة عبقرية للرائع إبراهيم عيسي في فيلم «مولانا» أنه في بلد لا تستطيع إقناع مشجع أهلاوي أن يصبح زملكاوي كيف تريد أن تقنع أحدًا المسيحيين أن يصبح مسلمًا! نعم تلك هي القاعدة ببساطة، وإلا لدعا الإمام الطيب بابا الفاتيكان للدخول للإسلام في زيارته التاريخية للقاهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد