سمعت يومًا من شيخ تزعجه كلمة شيخ وأستاذ لن نذكر اسمه سوى أنه من الكويت وتخرج في بنسلفانيا واسمه الأول سورة من القرآن واسمه الثاني بين السويد والسودان، سمعته يقول: إنه لإحداث أي تغيير لا بد من ثلاثة أمور؛ أولها الإحساس والاعتراف بوجود الألم، وثانيها تحديد وجهة ونقطة للوصول إليها، وثالثًا إعداد خطة لنصل إلى تلك الوجهة وذلك المكان.

صحيح أن من النادر في أوطاننا المقسمة وعقولنا المشتتة أن نتفق على شيء غربًا وشرقًا شمالًا وجنوبًا، إلا أنه من لطائف الرحمن وتوفيق المنان أننا صرنا كلنا متفقين حول هذه القضية، نحن متخلفون ومتخلفون جدًا عن ركب الحضارة ومسايرة الأمم، كلنا أحس الألم وذاق الوهن – عن الأحياء كالأحياء أحكي وأقصد – فصار من واجب الوقت وضرروة الزمان أن نتفق ليس كلنا بل العصبة والنواة منا عن السبب فيما نحن فيه وعن الوجهة التي نريد أن نصل إليها وكيف نصل.

حديثنا سيكون محاولة في البحث عن الخلل والعلاج عن الداء والدواء عن الأزمة والحل. لست طبيبًا لكن من اعتاد الجراح صيره الألم جراحًا، ولست ساحرًا أملك عصا سحرية تحيل الرماد نارًا والتراب ذهبًا، لكن من حوى بعضًا من التاريخ في صدره أضاف بعضًا من الأعمار إلى عمره، قال أينشتاين يومًا إن السذاجة أن تفعل الأمر بنفس الطريقة وتنتظر نتائج مختلفة، لكن في ذات الأمر هو أعطانا قانون النجاح والفلاح: افعل الأمر بنفس الطريقة تحصل على نفس النتيجة.

هل نحن نفكر وهل نحن موجودون؟

قال الشافعي إذا أردت معرفة الحق فانظر سهام العدو فإنها لا تخطئه، ولعل من حظنا أن سخر الله لنا عدوًا يجيد تصويب السهام والضرب تحت الحزام وإن كان الفضل ما شهدت به الأعداء فكذلك العيب والداء، كانت أول وجهة للسهام في ضرب المنظومة الفكرية والثقافية للمسلمين عبر إغراق تفكيرنا بالخرافات والأوهام بتأجيل سعادة الدنيا إلى الطمع في الآخرة بذلك الفصام النكد بين الأسباب والنتائج بخراب الدنيا وانتظار العمار في الآخرة بانتظار الحصاد بدل الغرس والبذر، وكل ذلك تحت باب هو من القضاء والقدر بترك العسس والحراسة والبكاء على دخول اللصوص وأهل النخاسة والداهية أن صيرنا اللصوص بالنصوص أصحاب البيت وأهل الكياسة، استقالت عقولنا من التفكير وأيدينا من العمل ولأن الطاقة محفوظة على قولة أهل الفيزياء فإن ما نقص من عقولنا زاد في ألسنتنا وقد قالها قديمًا سيدنا علي «إذا نقص العقل زاد الكلام».

أول أزماتنا وأول سبب لتخلفنا هي أفكارنا عن الحياة وعن العالم، عن أسباب القوة وعن أسباب الضعف، عن أسباب الحضارة وعن أسباب التخلف. فإذا كان هذا هو السبب فما الحل؟ هل أن يكون كلنا ابن رشد وابن سينا أم كانط وفيكتور هيغو. الحل يكفي في أن يكون من بيننا ممن ذكرت، فئة ممن قال الله عنها: «فلولا نفرَ مِن كل فرقةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومَهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون».

جيش من الأرانب يقودهم أرنب

لعل السهم الآخر الذي أصاب أمتنا وبه نحدد موطن العطب الثاني هو ذلك الذي أصاب الرأس فصير قادة الأمة قطيعًا من الأرانب كلما مات أرنب ورثه أرنب. فبين عميل وخائن وبين غبي وجاهل أو ديكتاتور وفاسد، لا يهم المهم أن يقود الأرنب شعبه وجيشه إلى المزرعة فثم مرتعهم الوحيد وأكلهم الفريد العشب والحشيش. كانت الضربة بإفراغ أعلى الهرم من كل من يمكن أن يقود هذه الأمة نحو النهوض والحضارة والقمة والصدارة فاجعل رب البيت للدف ضاربًا ولا تخف فأهل البيت حتمًا طريقهم إلى الرقص. فإذا كان هذا هو السبب فما الحل؟ أن يكون كلنا خالدًا وعمر أم كلنا نابليون وإسكندر. حج الرسول عليه الصلاة والسلام في مئة ألف أو يزيدون فهل ذكر التاريخ لنا إلا خالدًا وعمر وألفين ممن شابههما أو يزيدون. يكفي لهذه الأمة أن يكون منها واحد أو اثنان من المئة من يمسكون القيادة ويتولون الريادة.

لو كنت غير مسلم هل كنت دخلت في الإسلام؟!

لسنا نحصر القضية في دخول أو خروج لكن السهم الآخر الذي أصاب أمتنا هو ذاك الذي يتعلق بسلوك أفرادها ومجتمعها، لا يهم أن تقول ما تقوله الملائكة إذا كنت تفعل ما تفعله الشياطين، ولا يهم أن تقول لا إكراه في الدين وأنت تحمل بيمناك سيفًا تتقاطر منه الدماء، فإما دخول به تخويف أو خروج به تكفير، لا يعنيني أن تقول النظافة من الإيمان وبيتك ومحيطك أوسخ من الشيطان، لا يهم أن تقول وتقول فمهما قلت وتقول ستبقى الأفعال أعلى صوتًا من الكلمات والفعل أصدق إنباء من الخطب في سلوكه الحد بين الصدق والكذب.

فإذا كان هذا هو السبب فما الحل؟ أن يكون كلنا في صدق أبي بكر وفي ورع عمر؟! لا فيكفي أن يكون سلوكنا كذاك الذي سأل فأجيب «قل آمنت بالله ثم استقم». لسنا ملائكة نصافح في الطرقات لكنّ لكل انحراف وسلوك خاطئ طريقًا للرجوع والتصحيح وهو مسار عام لو ربطنا كل نقاطه كان في أغلبها استقامة وتطابق بين ما ندعي ونقول وما نفعل ونطبق.

«إذا كانت لا تقودك إلا القوة فاعلم أنك دابة يقودها رسن» أديلارد.

لعل السهم الآخر الذي يدلنا على موطن العطب الرابع هو ذلك الذي يسمونه استبدادًا وما هو في الحقيقة إلا استعباد حيث صارت الشعوب لا تسيرها إلا القوة ولا تحكمها إلا السلطة، الحاكم فيها لا يتغير إلا بالدبابة عبر انقلاب أو بزيارة من ملك الموت تأخذه للدار الآخرة، الشعب فيها مستقيل استقالة تامة حيثما مالت ريح السلطان مال، بنى بنيانه المسموم على أركان أربعة؛ عسكر وقضاء وإعلام وعمامة، طاعته هي الواجب وحقه هو القوة. فإذا كان هذا هو السبب فما الحل؟ أن نكون كلنا تشي غيفارا أو كولينز. لا نريد هذا لكن ما نريده أن لا نكون ظهورًا حتى لا نُركب ولا نعطي خدنا الأيمن حتى إذا ضرب أعطينا خدنا الأيسر، لكن كما قال مالكوم إكس إذا كانت لديك قضية فلا تذهب وتعرضها على المجرم بل تأخذ المجرم إلى المحكمة، والحق لا يعطى لمن يسكت عنه بل يؤخذ بالكثير من الضجيج. كن مسالمًا وكن مهذبًا واحترم الجميع، لكن لا تسمح لأحد أن يأخذ حقك أو يركب ظهرك.

 واقع مرير وعالم مظلم، ماذا نفعل كل يوم لنغير ذلك؟

لن نحاسب لأننا ولدنا في بلاد متخلفة أو في زمن متخلف. لن نحاسب لأننا ولدنا وفلسطين محتلة وأوطاننا مقسمة. لن نحاسب لأننا في ذيل الأمم وأسفل الحضارات. لكن سنحاسب عن كل يوم وعن كل دقيقة لم نفعل فيها شيئًا حتى بالنية والهم لنغير هذا الواقع ولو قيد أنملة.

فكر حر وسليم + قيادة مؤهلة وراشدة + سلوك قويم + فعالية منجزة = نهضة أمة وحضارة شعب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد