يعظوننى ألا أرفع صوتى؛ حتى لا يسمعه الناس، لا يريدون لأحد أن يسمعنى، كما لا يسمعوننى، يعظوننى ألا أضحك بصوتٍ عال ٍ؛ حتى لا يطمع من حولى، حتى صرت لا أبتسم من الأساس، يشددون علىّ ألا أعود متأخرة؛ حتى لا يلوك الجيران سمعتى، بالرغم من أن عملى يجبرنى على التأخر أحيانًا، فأخاف من كلمة أسمعها من عاطل.

يعظوننى بالحجاب وهم يكذبون ليل نهار، كل دقيقة، بل إن الكذب أصبح نسيجًا طبيعيًا فى أجسادهم، يتشبثون بالمظهر العام، ويهملون النفوس خراب، الأهم أن يكون ظاهرك مقبولًا أمام الناس، يتلونون على كل لون طيفى، ويتشكلون على كل شاكلة.

فلِمَ لا يحاولون إصلاح ما استقر فى الداخل، قبل محاولات الإصلاح الخارجية السطحية؟ أليس من الأولى أن نبدأ بسرائرنا قبل التصرفات الخارجية التى قد نفعلها بلا قصد أو ذنب!

يتحاقدون، يتباغضون، يتشاحنون، هذا ليس بالمهم؛ فالأهم أن تكره بخبث، بلا أن يدرى أحد بكراهيتك، تحرك الخيوط من بعيد، وتفسد وأنت تضع على عينيك نظرة البراءة والمساندة لمن تسببت فى إيذائهم، يفسرون أجساد النساء بخيالاتهم، ويتلصصون عليهن من النوافذ، كل هذه الأفعال مجرد شقاوة عادية يسقط فيها أى شاب، أما أن تترك الأغراب يتلصصون على أهل بيتك، فتلك دياثة وعار على رجولتك.

يحكون الافتراء فى مجالسهم، يحملون غلًا للآخر، ويسخرون ممن لا يعرفونه، يتصارخون ولا يتذوقون أسلوب حديثهم وأفعالهم، يلقون بخرائهم فى الشوارع، وفى عقول أطفالهم؛ ليكبروا مستظلمين بنفس الدرب.

لديهم ألف نبرة ونبرة قوية ليثبتوا اعتراضهم وصراخهم، ويثبتوا باطلهم بكل وقاحة، وعين حادة لا تنثنى ولا تخجل، لا يأبهون بمن ظُلم، جراء تبريرهم للإجرام والخطيئة، لا يأبهون أصلًا بأقل كلمة يتفوهون بها قد تلقى بغيرهم فى جحيم، وتدمر حياته وسمعته.

المشكلة هنا في التجاوز عن أخطاء، وإشهار نصل سكاكينهم على أخطاء أخرى، والأصل أن الخطأ هو الخطأ، وليس من حقك معاقبة أحد من تلقاء نفسك أو محاسبته على أفعال تخصه ولا تعود عليك بالضرر، المشكلة هنا أن المهم والأهم والأعظم أهمية دائمًا هو شكلك ومظهرك أمام الناس، ولا يهم ما بداخلك من خطايا تتمثل فى المشاعر الدنيئة المحطِمة لك ولمن حولك، فجلبابك معناه تدينك، وحجاب المرأة دليل عفتها، هذا فكرهم وعقلهم، قاصر وضعيف لا يخترق إلى الروح والنفس، عيونهم لا ترى، تشاهد فقط من خلال الأجسام المعتمة، تفسرها وتشكلها حسب تصورات ونظريات ضيقة غبية.

فالكاذب حقًا هو من يضع شكلًا مغايرًا لما فى دنياه الداخلية، والكذب ملعون فى كل الأزمان، فما أكثر الكوارث والمعاناة التى تسبب فيها خلال حياتنا.

اسأل نفسك يا أخى الكريم لماذا نرى أقوامًا لا يتحدثون عن الأخلاق كثيرًا وتشرئب أعناقهم إعزازًا بها وهم فى قمة الأخلاق والإحسان والتعاطف والإحساس بالمسئولية؟ السبب أنهم يفعلونها حقًا، ولا يشغلون بالهم كثيرًا بالحديث فقط عنها.

يا عزيزى الأبواق الصارخة لا قيمة لها، هى مجرد ضوضاء صوتية تضيع فى الفضاء، ولا تتكرر مجددًا، ولو اخترع الإنسان يومًا آلة لتجميع أصوات الموتى التائهة بعد دفنهم! هى مجرد إزعاج للدماغ، وتصيبه بالصداع، وإذا زادت ترهق الأعصاب وتعمل على انهيارها.

مشكلاتنا الكبرى اجتماعيا هى التناقض إلى حد الجنون، والكلام الزائد، والاهتمام بالشكليات، إخوتى! كلمة أخيرة نحن بشر، ولسنا دمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد