نعم يا عزيزي كما قرأت العنوان «نحن أجيال قتلها الوعي» بعد أن أجهدها السعي نحوه، رغم أننا آمنا وتوارثنا إيمانًا بأن ليس كل ما يُعرف يُقال، إلا أننا لم نتوارث التناصح بأن ليس كل ما لا يُعرف يجب أن يُعرف، فالمعرفة قوة قاتلة لصاحبها؛ إذ تعطيه جرعة من الأدرينالين فتهون عليه عظائم الأمور، وتهون عليه في المعالي نفسه، فيندفع نحو حريته وكسر قيوده، ويدفعه وعيه فيسقط كجلمود صخر حطه السيل من علِ، لكنه لا يرى أثناء اندفاعه أنه يفقد بعضًا منه مع كل خطوة يخطوها نحو الوعي والحرية، ولا يفيق إلا بعد أن يصير وعيه قائده، ويعد ذلك انتصارًا قويًا، لكن رأسه قد لا تتحمل التفكير، وقلبه قد لا يتحمل الأدرينالين، وعضلاته لا تقوى على الاستمرار في التحمل، فتخور قواه الواعية، ويسقط بسكتة قلبية أو دماغية وهو يعي تمامًا أنه يسقط، حينها يكون ألم السقوط مضاعفًا؛ إذ يراه سقوطًا وانهيارًا بفعل الوهن لا زيادة الأحمال التي سعى إلى حملها في طريقه نحو الوعي.

ولكن.. من نحن؟ ولماذا قتلنا الوعي؟

نحن الأجيال التي لم تقل: «خراب يا دنيا عمار يا دماغي»، نحن أبناء السبعينات والثمانينات التي أصابها الوعي، مشكلتنا هي الوعي والعمل العام، رفضنا هزيمة 1967 وتخاذل قادتها، ولم يشفِ غليلنا انتصار غير مكتمل فرّط في الأرض في 1973، وتيقّنا أن الهزيمة وعدم كمال النصر إنما هما عَرَضان لمرض واحد، وهو قلة الوعي وضعف السعي.

نحن جيل لم نشهد أدخنة الثورة الصناعية لكن فرمتنا سرعات الثورة التقنية، ورثنا تركات وتبعات ليست لنا، لا مجال لبكاء على أطلال؛ فلم نرث أطلالًا حتى، بل ورثنا تناقضات؛ فقد واجهنا الفقر والانفتاح، العمل والبطالة، المسؤولية والفساد، النصر والهزيمة، الأمن والإرهاب، الثورة والانقلاب، القمع والحرية، وكانت التناقضات دافعًا لنا نحو الوعي؛ لفضّها وفضّ تشابكها وحل عُقدها، وعلى الرغم من ذلك «اتشتمنا من الكبير والصغير»، وضاعت أعمارنا بين عصر لم نعِشه وعصور لم تعِش فينا، لذا سَجنَّا أنفسنا في «نوستالجيا» نابعة من تمسكنا بعصر «مالحقناش نعيشه»؛ بسبب لعنة السرعة التي أصابتنا من تداعيات الوعي.

رفصنا الزعامة الكاذبة، والرئيس الإله، ولم نجد القدوة في بشر يحكموننا فبحثنا عن قدوتنا لدى بشر يزيدوننا وعيًا، بحثنا في حارات نجيب محفوظ، وما ورائيات أحمد خالد توفيق، وموسوعات المسيري، وخواطر الشعراوي، وأقدام أبو تريكة، شكّلنا أدبنا وشكّلنا حياة لم يألفها آباؤنا فكان البون بيننا شاسعًا، أردنا أوطانًا أوعى لأبنائنا لا فيها زيف ولا هم فيها يجهلون، صدَمْنا الواقع ولم يصدِمَنا؛ لأننا فهمناه، وحين أردنا البناء واجهتنا هراوات رجال الأمن وفساد رجال السياسة، قاومنا، واحتضنتنا السجون، وعرفنا من خدوش حوائط المعتقلات ما لم يعرفه مَن قبلنا، لقد طوّروها معنا وبنا ولنا، وحين نادينا بعالم ينبت فيه العيش والحرية والعدالة والكرامة خوّنونا، واتهمونا بالعمالة، وحطّمونا لكنهم لم يكسرونا، فالوعي قوتنا.

نحن لا ننحني، لا نسقط، ومن يسقط منا لا نتركه.

يفرقوننا لكننا نبقى؛ لأننا فكرة، والأفكار لا تموت ولا تُقيد، ربما تأتي أجيال بعدنا تنصفنا، وربما تخسفنا، قد يقولون: لقد مر من فوق هذه الأرض شباب كان الوعي سلاحهم الذي أتعب هادميهم ومطارديهم، وسيظل يتعبهم، هم يريدون قتل وعينا الذي أضنى معيشتهم، لكنهم لا يعرفون أن أنفاسنا وأجسادنا وحتى رمادنا ورفاتنا ستظل واعية، وسيظل وعيها يتعبهم حتى بعد فنائنا.

لماذا قتلنا الوعي؟

ربما يكون بعض ما سبق كافيًا لقتلنا، لكن القاتل – للأسف – هو أرض احتضناها وهي الآن تلفظنا، كانت بلادًا لكنها لم تعد كذلك، فقتلت أبناءها الساعين لوعيهم.

ربما لم يكن ذلك ليحدث في بلادٍ غير بلادي التي فاضت ظلمًا وغفلة، وعلى أرضٍ غير أرضي التي جرفتها الجنازير والبيادات، وتحت سماء وطنٍ غير وطني الذي لا تُرفع راياته إلا في صالات الألعاب الرياضية.

ربما كان ذلك سيحدث في بلاد تؤسَّس على القوانين لا الزنازين، وتستنشق الوعي في الفضاء الفسيح لا يخنقها الغاز في قبور «عربيات» الترحيلات.

في بلاد الوعي ربما كانت حياتنا ستصير أفضل أو تصير حياة لا سجنًا، أما في بلادٍ هجرها الوعي فقد صارت حيواتنا دُمى تنجذب الناس نحوها؛ ليتعلم منها الأطفال درسًا مهما: «لو عاوزين يبقى عندكوا وعي هي دي آخرتكم!»، فصرنا نماذج يخوّفون بها الأجيال القادمة ليبعدوهم عن الحق، ليبعدوهم عن الوعي.. الذي هو من أعظم ما كرّمنا به خالقنا عن بقية خلقه.

أما بعد..

نحن أجيال أصابها الوعي فخلدت، أجهدنا الوعي الذي يميت القلب ويُحيي العقل في لعنة، لكننا أحببنا الجُهد والجَهد والجهاد، وصدّقنا وصادقنا اللعنات؛ لنحيا حياة اخترناها بإرادة ووعي، ولن نتركها عن وعي، نحن أجيال نؤمن بأن الوعي سعي، وويل لمن خاب سعيه.. ويل لمن خاب وعيه.

اتقوا الله في وعيكم وسعيكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد