مكانة الرعية من مكانة الراعي

بعد العمل الإرهابي الذي حدث في نيوزيلندا تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي صورًا لقادة العالم مجتمعين في مسيرة تضامن على مقتل 11 فرنسي من صحيفة «تشارلز إيبدو»، والحقيقة أن الفرق في الصورتين ليس في القاتل والمقتول فقط، لكن ما يفعله القادة الذين يمثلون ثقافة المقتول ويدافعون عن مكانته وحيًا وميتًا. ردود الأفعال تظهر المكانة المتردية التي وصلنا إليها عالميًا والمسؤول عنها من يتصدر القيادة في الدول الإسلامية، والحقيقة لو جاءت هذه القيادات السياسية بانتخابات شعبية لدافعت عن مكانة شعبها والمنتمين إلى ثقافتها على مستوى العالم.

الحقيقة أننا نقتل كل يوم

نحن نقتل كل يوم في فلسطين الحبيبة منذ عشرينيات القرن الماضي، مذابح مصحوبة باختلال في المعايير تعطى القاتل المبرر في الدفاع عن نفسه وترفض حتى صرخات الضحية، إنني لا أحمل الغرب مسؤولية ما يحدث في فلسطين إذ إن مسؤولية الدفاع عن أرضنا وعرضنا هو مسؤوليتنا نحن، أصبحنا نتعامل مع مقتل أي فلسطيني على أنه خبر يومي هين، نحن العرب والمسلمين من رخصنا كرامتنا ودمائنا، لماذا نلوم غيرنا إذا حاول الحفاظ على مكانة شعبه، بل يجب أن توجه أصابع الاتهام إلى قادتنا.

نحن نقتل في سوريا بأيد نظام إرهابي يدعمه العالم حاليًا بعد ما قتل أكثر من 350 ألف سوري خلال 7 سنوات من قتل محتجين على نظامه القاتل بينهم 19 ألف طفل و12 ألف امرأة تقريبًا على حسب المرصد السوري و6 ملايين لاجئ(1). نحن نقتل كل يوم في اليمن الحبيب برًا وبحرًا وحصارًا وجوعًا في حرب بين ساسة لا ناقة لنا فيها – نحن الشعوب – ولا جمل. نحن نباد يوميًا في بورما وفي الصين، نقتل من أجل قادة لا يعنيهم سوى مناصبهم.

الحقيقة أن الإرهاب فكرة فقط تحتاجُ إلى من يرعاها، إنني لا أتهم المسيحية بالإرهاب مثلما أرفض أن يتم اتهام ديني بالإرهاب، إن قضية الإرهاب تتعلق بالإنسان. إن الأديان السماوية تقر للإنسان مبدأ الدفاع عن نفسه ضد العدوان، إنها تطلب منه مكافحة الشر وتعطه الوسيلة المناسبة التي يستطيع بها مواجه مسؤولياته وأن يصنع مصيره، لكن فهم الإنسان للنص والتأويلات التي تملى على عقله من الخارج كفيلة بأن تحرف مراد الشارع.

هات أي إنسان واملأ عقله بالقاذورات والعنصرية وانفخ فيه مزيدًا من سم الأفضلية، ثم أطلق صراحة، لتجد أنك خلقت وحشًا، آلة قتل تقضي على الأخضر واليابس، إن لوم الحكومات الغربية وتحميلهم مسؤولية وضعنا المتردي هو مزيد من دفن الرؤس فى الرمال، يجب علينا تحمل مسؤليتنا تجاه بعضنا البعض وأن نواجه قدرنا، يجب أن يحتمل من يتصدرون القيادة مسؤولياتهم تجاه شعوبهم وتجاه ثقافتهم وإن لم يفعلوا حاكمتهم.

ما الذي يحتاجه المسلمون اليوم

إننا لسنا بحاجة إلى التعاطف لأن جذوة العاطفة تنطفئ أسرع مما تشتعل، بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها رابطة إخوة امتدت أواصرها منذ لحظة اعتناقهم هذا الدين الحنيف، ويقع على عاتقهم مسؤوليات تجاه أصحاب الديانات الأخرى، يجب أن يتحرر العقل العربي المعاصر من سلبيته وأن يخرج من شرنقته ليدافع عن دينه ودنياه، أن يدافع عن هويته، عن جسده وثقافته التي طالما شوهت. إنني لا أعني هنا الدفاع بالسلاح لأن الدفاع لا يكون بالسلاح فقط، بل بالمزيد من نشر الأفكار. يجب علينا أن نتصدى لحملات شيطنة المسلمين فى دول العالم والإسلاموفوبيا بالمزيد من العمل.

إننا فقدنا مكانتنا حين تخلفنا ثقافيًا، حين توقفنا عن نشر الخير في العالم، حين تركنا الساحة شاغرة لكل رويبضة يريد أن ينشر تعصبه وشرور فكره. إن المسلمين اليوم في حاجة شديدة إلى تنظيم جهودهم، نحن في حاجة إلى توحيد صفوفنا، إننا بحاجة إلى اتحاد وخلق قيادات شعبية تتكلم عنا وعن كل المستضعفين في الأرض، هذه الفئات الضعيفة التي سريعًا ما تنسى، نحن لسنا بحاجة إلى لعب دور الضحية حتى وإن كنا مقتولين إننا بحاجة إلى عمل وبذل المزيد من الجهد للدفاع عن قضايانا وقضايا الإنسانية في الأرض.

إن هذا الدور القيادي الذي نبحث عنه لن يقوم بها أزهر برجاله، واتحاد علماء المسلمين برجاله، إذ إن هذه المؤسسات لها أهداف سياسية أخرى تنتمي إلى فئات عليا غيرنا نحن الفئات الشعبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد