عند أول ذكر للفظ «الشك» يتبادر إلى ذهننا بشكل أوتوماتيكي المنهج الديكارتي المبني على الشك. ديكارت ابن القرن السابع عشر – الذي أسس منهجًا مترابطًا للتفكير الفلسفي، فقد أراد مسح الماضي ليبني على أنقاضه أسسًا جديدة للفكر – من بين أهم وأعظم الفلاسفة العقلانيين الذين رسخوا منهج الشك وجعلوا السؤال غاية في حد ذاته.

لكن فلنعد إلى الدين الإسلامي ولنتأمل في عظيم ما ذكر في القرآن الكريم. إذا عدنا بالزمن إلى الوراء قليلًا، أو ربما قرونًا طوال قبل ديكارت، وتأملنا فيما ذكره القرآن من أخبار الرسل وسيرهم، سنجد مثلًا ونبراسًا مهمًا يجسد ويعلي من قيمة الشك البناء. إنه إبراهيم عليه السلام، الأب الروحي للديانات السماوية الثلاث. لقد حدثنا القرآن عن قصة إبراهيم مع قومه، لكن القصة لم تدرج لإبراز مدى عناد وصدود القوم عن الحق فقط، وإنما لها أبعاد أخرى تتجلى في إعلاء قيمة الشك والتساؤل.

«وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حنيفا وما أنا من المشركين».

هذه الآيات من سورة الأنعام، تبين تقلب إبراهيم عليه السلام ومحاولاته الشديدة للبحث عن إله لهذا الكون. كوكب الزهرة، القمر، الشمس، هي تلك الاحتمالات الثلاث التي رجحها إبراهيم عليه السلام محاولًا الوصول إلى اليقين، إلا أن كلًا من الثلاثة أفل وغاب. ولم يهدأ إبراهيم إلا مع بزوغ شمس يوم جديد، ذلك الإشراق الذي انبثق من داخله، إشراق العقل، فالإجابة قابعة في الداخل، خرجت من أعماق إبراهيم الذي شك في المعتقدات الواهية «إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض وما أنا من المشركين».

وحوار إبراهيم مع الكون يمثل نضج العقل الإنساني، ومحاولته فك أسرار الخليقة بالاعتماد على العقل».

هكذا يؤكد لنا الدكتور أحمد العمري في كتابه « البوصلة القرآنية» مكمن الأهمية في ذلك التأمل الذي قبع فيه إبراهيم عليه السلام ليلة بطولها، يحاور الكون حوله، يبحث، ويشك. إنه النضج العقلي الذي خص به الله عز وجل خليله إبراهيم عليه السلام، ذلك اليقين الذي يبدأ بالتساؤل والشك فيكون لنا تربة خصبة لدين كالإسلام يحاور العقل ويتحداه.

«وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ. قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ».

هنا يصور لنا القرآن الكريم حادثة أخرى لإبراهيم عليه السلام مع قومه؛ الآيات تصور بطريقة عجيبة قدرة إبراهيم عليه السلام استدراج قومه عن طريق اعتماد منهج التساؤل، كما أنها تبرز رمزًا مهمًا يتمثل في تحطيم المعتقدات الواهية المتجسدة في الأصنام. فبعد أن حطم إبراهيم عليه السلام تلك الأصنام، ترك كبيرهم «لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ»، فقد كانت غاية إبراهيم هي أن يستدرج قومه ليعودوا إلى كبيرهم. والعودة هنا ستكون بعد السؤال الذي طرحه إبراهيم «فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ». كما هو واضح، إنما الإبقاء على الوثن الكبير كانت الغاية من ورائه استدراج القوم ليعودوا إليه ويسألوه، إلا أنهم مدركون حق الإدراك أن «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ». وهنا يتبين أنهم أقاموا الحجة على أنفسهم بأنفسهم «فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ»؛ كانت غاية إبراهيم عليه السلام زرع الشك في نفوس وعقول قومه لعلهم يدركون بطلان ما يؤمنون به.

«أن تبدأ عقيدة إيمانية طريقها بالتساؤل، وترتكز عليه عبر مسيرتها باعتباره المفاعل والمجدد والوسط الذي تحقق فيه المشروع الإنساني والتاريخي، أمر يبدو مستغربًا جدًا».

هنا إنما التأكيد على التربة الخصبة التي ابتدأ فيها الدين الإسلامي باعتباره امتدادًا للرسالة الإبراهيمية، فإبراهيم هو أول المسلمين، الذي لم يكن من المشركين. فأن تبدأ عقيدة إيمانية طريقها بالسؤال وتعتبره الدعامة الأساسية في مسيرتها أمر يبدو مستغربًا إذا نظرنا إلى الدين تلك النظرة التقليدية التي تحجمه وتجعله في ذلك الركن الذي يركن إليه الفرد لينعم بدقائق من الراحة والسكينة، متناسيًا (إذا كان قد علم أصلًا) أن الراحة تتمثل في تلك التساؤلات التي توضح معالم كل شيء، وتصل بك إلى ذروة اليقين. فالخطاب القرآني لم يقزم الدين، ولم يجعله منحصرًا في التعبد والدعاء دون عمل أو جهد، وإنما كانت كانت الأرضية التي ابتدأ منها الاختلاط والاندماج مع الواقع ومساءلة المكرسات الواهية التي يؤمن بها أغلبية الأفراد.

«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».

أول ما يلفتنا في الآية الكريمة هي ربط التساؤل بالإطمئنان، فكأن إبراهيم هنا يعزز ويؤكد ما ذكرناه آنفا، آلا وهو ربط الطمأنينة بالوصول إلى اليقين، ذلك اليقين الذي نقطة انطلاقه هي الشك البناء، فالبحث عن الحق لن يفضي بك إلى شيء غير الحق. فالآية تبين أن إبراهيم سأل الله عزوجل أن يريه كيف يحيي الموتى، وبالرغم من المكانة التي يحظى بها هذا الرسول الكريم في حضرة الله عز وجل، لم يمنعه ذلك من التساؤل، فقد كانت غايته الاطمئنان.

«قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

وهنا كانت إجابته سبحانه وتعالى لسؤال إبراهيم عليه السلام، فلم يصدده الله عز وجل، ولم ينهره تعالى عن ذلك، بل أجاب طلبه، أراه كيف يكون البعث، أراه كيف يحيي الموتى، فهو أعلم بما يدور في قلب إبراهيم، وهو أعلم أن ذروة الإيمان إنما تتجسد في التساؤل.

دعونا نعود إلى حالنا ونتأمل في مجتمعنا اليوم، أين هي مكانة السؤال من كل هذا؟ كيف يواجه ذاك الذي يتخذ الشك منهجًا في مجتمعنا اليوم؟ بماذا ينعت ذاك الذي يؤمن ويحث على أهمية السؤال؟

كل هذه التساؤلات نعلم إجابتها أجمعين! ونعلم حق العلم أن الإجابة مناقضة تمامًا لما يحث عليه الدين الإسلامي، الذي أعلى من شأن السؤال، وجعله الأرضية الأولى التي انبثق فيها هذا الدين الحنيف. نعم نحن تلك الأمة التي نزل فيها قرآن عظيم ليس فقط في إعجازه اللفظي، وإنما كذلك في مخاطبته لذلك العقل الذي كرم الله عزوجل به الإنسانية جمعاء على سائر خلقه؛ نحن تلك الأمة التي جعلت من القرآن أداة للتبرك وجلب الرزق وتناسينا مع ما علق في أذهاننا وما ورثناه من عصور الانحطاط أن الرزق إنما يأتي بعد السعي. نحن تلك الأمة التي جعلت من السؤال بدعة وضلالة «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في نار»، بدلًا عن جعله أداة للبناء لا للهدم.

لقد تناسينا أننا نحن ورثة إبراهيم عليه السلام أحق بالشك منه، لقد قالها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأكدها وألصق ما اعتبرناه ضلالة بإبراهيم عليه السلام. إنه يحثنا ويؤكد لنا أننا نحن، المسلمين، أحق بالسؤال من إبراهيم. فأن تنهار متسائلًا بدلًا عن أن توجهه إلى السبيل القويم للبحث والتقصي، بأن تغنيه بالمراجع والسبل التي عليه أن يهتدي بها ليصل إلى ما تهفو إليه نفسه، لن تكون له إلا صورة مغلوطة عن الدين، صورة تلغي أهمية العقل والعلم، وتتغافل عن أن اليقين العقلي يؤدي إلى أسمى مراتب الإيمان، تلك المرتبة التي يسير فيها الدين والعلم في خط واحد دون أن يناقضا بعضهما البعض.

علينا أن نسأل عن جل المعتقدات، علينا أن نبحث عن كل ما يمث بصلة لديننا الحنيف، علينا أن نزيل ما علق بهذا الدين من أسس مغلوطة التي ما تزيدنا إلا رجعية وتخلف؛ إنه الشك، إنه العمل الدءوب الذي يحقق ذروة الإيمان، وأن الواحد فينا ليجد لذة عظيمة في اكتشاف عظمة خالقه، يبجل الله كل التبجيل كلما تجلى لناظريه آية من آياته، إن السكينة إنما تنبثق في قلب ذاك الذي يجد في البحث عن خالقه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد