في البداية توقفت لحظة عند تفسير مصطلح جيل، فلم أعرف ما تفسيرها علميًا. هل المقصود بالجيل الذين تشابهت تواريخ ميلادهم أم الذين تشابهت ظروف نشأتهم وبيئتهم وتشابه سلوكهم وتصرفاتهم وتعاملهم مع الأزمات، فلم أصل إلى تفسير محدد, وبالأحرى لم أبحث عن تفسير لها بمعجم اللغة لأنها لا تشغلني كثيرًا.

ما يشغلني حقًا وجود مجموعة من البشر في بقعة من بقاع الأرض أينما وجودوا ويربطهم عُمر واحد فيطلق على مواليد التسعينيات جميعًا جيل التسعينيات، وهكذا وفقًا لكل جيل  فنتوقف كثيرًا عند جيل الستينيات؛ الجيل الذي انعدمت عنه الظروف والإمكانيات والشفافية في الحكم وحرمان الحرية ومع ذلك حقَّق نتائج ونصرًا مبهرًا من وجهة نظرهم فحصلوا على مجانية التعليم والتحق كل منهم حسب اجتهاده على الشهادة التي يرغب الحصول عليها، وتزوجوا وأنجبوا أطفالًا فهذه كانت أسمى غايتهم أن نسير جانب الحيط أو داخله أكثر أمانًا، فأنا أرى من منظوري أنهم نجحوا في ذلك تمامًا ويكفي رضاهم التام عما حققوه.

لننتقل إلى النقطة الأهم هو جيل التسعينيات وجيل الثمانينيات ماذا خلّفوا في الأرض؟ هل أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات, أم ماذا حققوا؟ أنتقل إليكم إلى الواقع دقائق معدودة إني أؤمن جدًا بتسليم الرايات جيل خلفًا لجيل، ولكن على أي أساس تسلّم هذه الرايات ولمن تسلّمها وما نتيجة تسليمها؟ فلنتخيل معًا ما الذي تربى عليه جيل الأقدم كي ينقله للأحدث ما المحتوى الذي يملؤه فراغ جيل كي يصب به على الجيل الذي يليه.
أحدثكم من واقع جيلي الذي أنتمي إليه وهو جيل التسعينيات، فأنا أومن جدًا بأن تربية الأسرة المتمثلة في الأب والأم ودور العلم والأصدقاء هو الممثل الأساس والأول في نشأة الطفل، وهو الذي يشكّل مفاهيمه وسلوكه حتى مرحلة المراهقة (الثانوية)، هنا يبدأ يختلط الشاب بأفكار أخرى وأشخاص أخرى وأزمات وظروف مختلفة, فأذكر وأنا طفل أفكّر في طفل فقد شخصًا عزيزًا عليه فكنت أفكر بعاطفة مطلقة غير مضبوطة بجانب عملي إطلاقًا، وكنت أسأل نفسي دومًا ما الحكمة وراء فقدان طفل لا يريد سوى الاستقرار والسعادة أن يفقد شخصًا تعلّق وارتبط به وظل هذا السؤال يستحوذ تفكيري فترة كبيرة، وعندما كبرت قليلًا تعرّفت تمامًا أن كل شيء يحدث بحياتنا مرتبط بحكمة ربانية وحسن دواع ألوهية لا يعلمها إلا الله حتى وإن فطنت لبعض الأسباب الظاهرة منها وهذه عن تجربة ويقين تام نتج عن التعامل مع الأزمات والشدائد، ليس مجرد جملة نظرية نرددها لنصبر بها أنفسنا.

فهذا جيل التسعينيات ماذا فعل كي يحقق النصر المنشود وما الوسائل المطلوبة منه كي يحقق وما الغاية وراء كل هذا؟ صدقني أيها الابن اليوم أنت أبٌ غدًا ستربي أبناءك وأحفادك على ما نشأت عليه، فالموضوع صعب ومعقد ويرتبط بالنسبة إليّ بقناعة الشخص نفسه من سر وجوده بالحياة والله كل تصرف أو سلوك يسلكه مرتبط بهذا السبب بجانب بعض المؤثرات والفتن, أعلم تمام العلم أن الفتن الدنيوية والغرائز المتمثلة بنا شديدة وقوية، لكن صدقني هي متوقفة عليك هي تنتظر منك أن تقودها وليس هي التي تقودك وتتحكم بك.
فنتذكر جميعًا الأخطاء التي ارتكبناها ونحن أصغر سنة، فلو جلست مع نفسك خمس دقائق تتذكر الخطأ الذي فعلته أمس بل السنة الماضية وتستغرب من نفسك تمامًا وتبدأ بلوم نفسك وتوبيخها بشدة كيف لي أن أفعل مثل هذه الواقعة؟ فأتحدث عن جيلي الذي تربى عن طريقة التجارب العملية والاحتكاك والخبرات والنزول على الميادين فلم نعرف شيئًا عن عقيدة الحرية أو عكسها إلا بعد نزولنا الميادين وبعد سلبها منّا، ولم نعرف شيئًا عن السنن الربانية في الاستخلاف ولا نعرف حرفًا من كتاب الرحيق المختوم أو غيره يحكي لنا عن مواقف الرسول وتعامله وقتها مع الأزمات فنتخيل جميعًا لو كنّا نشأنا على هذه وغيرها كثير من الأمور ألم يكن أفضل من نشأة الاستقرار والأمان وحفظ الكتب المدرسية الصماء، وانتظار يوم الخميس لنزور أصدقاء وانتظار الإجازات الصيفية لحجز المصيف أو الاشتراك بالنادي لتضييع أي وقت بعيدًا عن المنزل؟!

عن يقين تام ما مررنا به خلال السنوات الخمس السابقة بالوطن العربي أحدث تغييرات كبيرة بداخلنا وأصبحنا أكثر نضجًا مما نتخيل، وتعرّفنا على حاجات لم نتخيل أن نتعرّف عليها إلا بالكتب أو على الأقل بعد عشرات السنين من عُمرنا الآن، فهذه الحكمة الربانية التي أتحدث عنها وأتعايش معاها تمامًا فأنا أؤمن جدًا بأن الله هو الذي يوفر الأسباب ويهيئ الظروف كي يولد وينشأ الجيل المنشود من وسط كل هذا الظلام, ولكن لم أكذب عليكم أني أصاب بنوبة إحباط شديدة عندما أرى مجموعة من الشباب ينقسم إلى نصفين النصف الأول يهدر شبابه كله في أتفه الأمور والتنزه والفسح ويبعد نفسه كل البعد عن تحمل المسئولية وعن جلل الأمور والمشاركة في العمل العام، ويرفض أن ينشغل بالمشاكل وأمور العوام ولو بالتفكير حتى فقط مبررًا ذلك بحجة (أنا مش هاغير الكون وعايز أعيش سني وأتمتع بحياتي) صدقني بذلك تنقم على حياتك ولا تنعم بها, أما النصف الآخر فهو الأكثر إشفاقًا مني وهو النوع الذي يكون متحمسًا تمامًا في بداية شبابه ومنغمسًا بالأفكار والطموح ويبحث دومًا عن الحلول المبدعة وكل هذا النور يطفأ فجأة عند دخول دوامة الحياة التي نجبر أنفسنا على الدخول بها أيضًا بمبررات وهمية نختلقها، أن يتزوج وينجب أطفالًا ويدور داخل نفق مظلم لا ينتهي إلا بعد أن يشيب الرأس ويضيع العمر ويتذكر حماسه الشديد ويصبح في أقسى درجات الندم.

فدعنا جميعًا معشر الشباب نتذكر دومًا أن العُمر لحظات أقصر مما نتخيل، فلا يجوز أن نضيع منه أكثر مما ضاع ونعلم جيدًا أن مرحلة الشباب هي أثمر مرحلة تمتلكها بحياتك إن لم تحسن بها فوالله لن تستطيع تركها وتعويضها، اجعل دومًا نصب عينيك أنك ستلحق بجيل الصالحين وجيل النصر والتمكين، فإن لم يحدث ذلك بشكل جماعي فعلى الأقل لقد ظفرت بنفسك وفعلت ما يمكن أن تواجه به نبي المرسلين وتواجه به الخلفاء الراشدين حينما يسألونك على الأمانة ماذا فعلت بها، واحرص أن تنقل ذلك بداخل أسرتك قدر المستطاع فأولادك هم بذرتك السوية الرطبة التي تصنع بهم معروفًا حميدًا يشكرونك عليه.

نلتقي حينما ننتصر ثم نتمكن ثم نستخلف في الأرض فنسود بها خيرًا وسلامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد