قبل أيام ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما خطاب “حالة الأمة” وهو خطاب سنوي يتحدث به الرئيس أمام الكونغرس عن حالة الأمة، والأعمال والسياسات التي قامت بها إدارته، خلال العام، الخطاب هو الأخير له قبل أن يترك كرسيه للقادم الجديد.

الخطاب يعد الأجمل من بين خطابات الرؤساء الأمريكيين منذ ثلاثة عقود الماضية، من حيث اللغة، والمحتوى، والقدرة الخطابية الملفتة على جذب انتباه المتابع، بل وقل على التأثير فيه.

ركز الخطاب على الشأن الداخلي الأمريكي. ومر مرور الكرام على السياسة الخارجية، التي رسمت منذ اليوم لجلوسه على كرسي الرئاسة، ولم تتغير مع اشتعال النزاع في مناطق عديدة من العالم.

إلا أن المحللين في الشرق الأوسط يصرون، على تحميل الخطاب ما لا يحتمل، فمرور أوباما السريع على الملفات التي يعتبرونها أساسية، ولا تعتبر من جانب الإدارة الأمريكية كذلك، أشعل نيران الانتقاد ضده، على اعتبار أن أوباما وأمريكا من خلفه تتهرب من واجباتها تجاه المنطقة.

كما أن الخطاب لم يأتِ بجديد، ولم يخرج عن دائرة الخطابات السابقة له، فداعش، والحروب الأهلية في سوريا والعراق وليبيا، وأزمة النظام المصري، وديكتاتورية القادة، لا تشكل لأمريكا قضايا مركزية. تجبرها على تعطيل مشاريعها الداخلية، من أجل حلحلتها.

فالعالم ليس محصورًا بمنطقة دون غيرها، وثمة قضايا أكثر أهمية، تضغط على الداخل الأمريكي، وإدارته أهم مما يعتبره البعض طريقًا لحرب عالمية ثالثة، وأن المتشددين، عنصر أساسي في هذه الحرب، التي تراها أمريكا وهمية ولا تشكل خطرًا على داخلها، فلماذا يركز عليهم إذن؟ “المتشددون لا يمثلون خطرًا وجوديًّا على أمريكا” يقول الرئيس الأمريكي.

البعض اعتبر أوباما فاقدًا للجراءة ولا يملك حلًّا للمنطقة، لذا آثر الهروب والاختباء خلف الملفات الداخلية، وكأن الخطاب بالأصل موجهة للخارج، لا إلى الداخل الأمريكي.

وهذا غير صحيح، فأولوية الإدارة الأمريكية دومًا تركز على الداخل لا على الخارج، وقوة أمريكا، تتأتى، من داخلها المحصن، لا من خارجها.

كما لا تؤثر على نظرة أمريكا للعالم التي ترسم ملامحها خصوصا ما تعلق بمناطق النزاع، بيد “CIA“، بالاتفاق مع إدارة البيت الابيض. القائمة على تقوية الدولة انطلاقا من داخلها لا من خارجها.

كما أن جل خطابات أوباما، تفرد، مساحة للشأن الاقتصادي الذي بدأ يتعافى من أزماته، التي ضربته خلال العقد الماضي، وحدت من تقدمه، إلى جانب، إصلاح السياسات الداخلية للبلاد.

دون التركيز على الشأن العسكري، وما يشاع عن ضعف الاقتصاد الأمريكي ليس إلا “خيال سياسي” سيما وأن الإدارة الأمريكية الحالية وحتى القادمة، ستعتمد استراتجية تنويع مصادر القوة الاقتصادية، خصوصًا ما له علاقة بالطاقة النظيفة، والاستثمار فيها، وعدم الركون على النفط وتقلباته، كضرورة، لضمان، تفوقها، سيما وأن أمريكا، ليست في حرب، وتعيش اليوم في ظل اقتصاد تراه الإدارة قويًّا، وقادرًا على الاستمرار، وهو ما ينعكس على الداخل الأمريكي.

المؤسف، أن البعض اعتبر عدم تركيز الرئيس على المنطقة دليل انسحاب منها، لكن الحقيقة تقول غير ذلك، فالمتصارعون في المنطقة يخدمون الرؤية الأمريكية، دون الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود والخطابات والجنود! والرؤية الأمريكية للعالم تعتمد على أجهزة الاستخبارات وتقررها وتحدد ملامحها، لا أنظمة المنطقة وساستها، أو كتائب المحللين التابعين لهم.

كما أن ورقة الحرب على الإرهاب التي تلوح بها الأنظمة، ليست ورقة ضاغطة على الإدارة الأمريكية. فهي ورقة وهمية، تم تضخيمها، من قبل الأنظمة، للإبقاء على سطوتها، وديكتاتوريتها، وسيطرتها، على شعوب وموارد المنطقة.

فوق هذا يمكن اعتبار الخطاب رسالة الحزب الديمقراطي للداخل الأمريكي، يظهر لك طبيعة السياسة الأمريكية القادمة، أي أن سياسة أوباما ومشاريعه، سيستمر بها الرئيس الأمريكي القادم، من خلال التمهيد لتقديم هيلاري كلينتون، المرشح الاقرب للفوز ببطاقة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، وهو حقيقية ما يرعب خصومه في الحزب الجمهوري الذي انتقد الخطاب ومحتواه، لكونه لا يعبر عن حقيقية أمريكا وقوتها.

أوباما حاول تبريد الداخل الأمريكي بعد توالي تصريحات مرشحي الحزب الجمهوري خصوصًا دونالد ترامب العنصرية لطمأنة المواطنين، مطالبًا إياهم بـ “عدم التخوف من المستقبل” يمثل ركنًا أساسيًّا من مكونات المجتمع الأمريكي.

أخيرًا: أوباما تحدث إلى الشعب الأمريكي لا إلى ساسته، عن أمريكا لا عن خارجها، تحدث عن الاقتصاد لا عن الحرب، عن السلام، لا عن الإرهاب، للشعوب، لا إلى الأنظمة، وقد نجح في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أوباما
عرض التعليقات
تحميل المزيد