“أفلا يتفكرون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون”

أوامر مجردة ذكرها رب العزة بالقرآن الكريم، أوامر من خالق السموات بأن نتفكر ونستخدم عقولنا. ولكن، لأن الإسلام أصبح حديثًا له ما يعرف برجال الدين، برغم أنه الدين الوحيد الذي من المفترض ليس له أحبار أو كهان، فقد أصبحنا جميعًا نقرأ كتاب الله وفي ذهننا بأن ما نقرأه له رجال هم المسئولون عن تفسير معانيه، فصارت تلاوتنا لكلام الله كالذي يقرأ لغة لا يفهمها!!

صرنا فرقًا وشيعًا ومذاهب كلاً منا يتبع (رجل الدين) “الفولاني” الذي يزعم أنه من الفرقة الناجية، وكأن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أوحي إليه بأن يتعامل مع كل من لا يتبعه أو لا يدخل الإسلام قلبه بالصراخ والسباب وحد السيف. وحاشا أن يكون أشرف الخلق صلوات ربي وسلامه عليه، محمد عليه الصلاة والسلام هو من وصفه رب العرش بـ “أنه على خلق عظيم”. فمن هؤلاء إذن؟ وما حقيقة سبابهم وذبحهم باسم دين الرحمة للعالمين؟!

حقيقةً، إذا قمت بتصنيفهم فما أنا إلا متبع لنهج التعصب والانغلاق الذهني الذي أراه في حديث هؤلاء، ولكن فطرتي تخبرني بأن “دين التعنت واحتكار الحقيقة والصراخ وعدم التفكر” الذي يسوقه لنا هؤلاء، محال أن يكون هو الدين الذي آمن به رسولنا، وهو من فضله الله على البشر أجمعين!

لا، لن أقبل بأن أتبع ما يقوله هؤلاء باسم من كُتب اسمه على عرش الرحمن!

كلنا، وحتى من ذكرت تشويههم لصورة الإسلام باسم الإسلام. نغضب وتنتفض قلوبنا عند سماعنا بأن أحدًا ما قد ذكر “أشرف الخلق عليه الصلاة والسلام” بسوء، ولكن هل كان رسولنا يسب من يسبه، أو يسيئ لمن أساء إليه؟! يقينًا، لا وألف لا.

 

ولا أريد أن أسير في ركب من ثار غضبًا على دماء صحفيي الجريدة الفرنسية، ولم نر حتى على وجهه آثار حزن مما قدمته هذه الصحيفة، ثم اكتفى فقط بلعن هؤلاء الدمويين الذين اتخذوا السلاح طريقًا لإحقاق الحق.

 

ولن أتبع طريق من اتبع غضبه بسبب ما قدمه هؤلاء الصحفيون، وأزيد الطين بلة، فأصرخ وأسب، أو أقتل 10 أشخاص في باريس، ليظهر غيرهم 100 في الدنمارك، ويتبعهم ويصدقهم ملايين حول العالم!

الحق يقال، من أعمالنا سلط علينا، ومن رايات تذبح بعضها البعض وجميعهم يدعي أنه الإسلام، وأنهم متبعون لهدي خير الأنام، يخرج علينا صحفيون يحكمون على ما يرون ممن يدعون أنه الإسلام، وهم يقاتلون ويسبون ويكفرون بعضهم البعض!

ومن خضوع حكوماتنا وفسادها وتبعيتها وتفريطها في هوية شعوبها، يخرج أشباه عقول مشوه تفكيرها، ملوثة فطرتها. لا تعرف إلا لغة السلاح والصراخ واحتكار الحق التي تربت عليها في مجتمعاتنا من رجال يدعون فهم دين الرحمة، وهم يناقضون ويسبون بعضهم البعض، ومدارس يقال إنها للتربية والتعليم، ولم نر فيها إلا الفوضى والجهل والفساد والحفظ وقتل العقول!

وإذا كان هناك من يجب أن يتم محاكمته، فوجب أن نحاكم أنفسنا أولاً، نحن من ندعي أننا نفهم دين العمل والأخلاق، وبلادنا تعج بالكسل والهمجية، نحن من ننصر الحق فقط إذا أعجبنا شكله. والله الحق ينصر المظلوم مؤمنًا أو كافرًا!

 

وحتى عندما خرج علينا “الزعيم المفدى” مطالبًا بثورة دينية. كل منا حكم عليه وفقًا لأهوائه، وتناسينا برغم من كون السيسي رجل “بق” وصاحب “بروباجندا” وأقوال لا أفعال، لكن ما قالة حقيقي وواضح كالشمس! فمن لا يرى بأن بلاد المسلمين من شرقها لغربها، من ليبيا إلى مصر والعراق وسوريا بها أناس تربي لحيتها يقاتلون بعضهم البعض ويذبحون بعضهم البعض باسم “لا إله إلا الله محمد رسول الله” فهو نائم ومغرر به وعقله في “إجازة “!

 

نحن متأخرون آلاف السنين الضوئية في كل شيء تقريبًا عن أمم ندعي أنها كافرة كالصين وكوريا واليابان والغرب وأمريكا، في حين أن أخلاق تلك الشعوب تؤكد أننا نحن من وجب علينا أن نتعلم منهم كيف نفكر وكيف نعمل، وكيف نرحم من في الأرض، حتى نمتلك العقل الذي يفهم كتاب الله كما أنزل على خير البشر، عليه الصلاة والسلام!

 

وأخيرًا، إذا كنا رحماء بيننا، ننصر المظلوم، ونعمل بما نقول، ونفكر ونستخدم عقولنا كما أمرنا الله، وإذا كان العالم أجمع يرى في مجتمعاتنا أخلاقًا وأفعالاً تثبت أننا متبعون لنبي عظيم بحق، ما تجرأ أحد أن يمس نبينا الكريم بسوء.

وحينها إن شذ منهم شاذ وأراد أن يكابر، فلن يصدقه أو يسانده أحد، لأن الواقع القوي الذي يحكي عنا هو من سيتحدث، لا أسلحتنا وصراخنا وجهلنا!

ولأن أفعالنا وردود أفعالنا بمثابة دعوة لننفر الجميع من ديننا ونثبت عليه الأكاذيب، ولأن المتربصين كثر، والأبواق الخبيثة موجهة لتزييف كل ما هو حق، فنحن بتعصبنا وبما أخذناه من الجهل الذي تغرق فيه بلادنا، نؤكد لمن يجهل كرم أخلاق وشرف سيرة نبينا عليه الصلاة والسلام، بأنهم على حق، وأننا لسنا أكثر من همج متعصبين لا نعرف حتى كيف نفكر وكيف نعمل!

 

فلنسأل الله أن يخرجنا من هذا الزمن ونحن مهديون لا ضالون، اللهم آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد