ما تشهده المنطقة العربية حاليًا من تحديات وتحولات جسيمة يدعو للتفكر في مآلات الوضع في المنطقة العربية على المدى القصير، وما يحدث اليوم في حلب قابل للتكرار في المدن العربية الأخرى، ما لم يتم يتدارك الأمر قبل فوات الأوان، ويعرف الجميع حجم المخاطر المحدقة بهم، ويعلموا يقينًا أنهم يساقون سوقًا نحو مصير واحد يشبه مصير إخوانهم في العراق وسوريا وغيرهما من البلاد العربية التي تُوشك أن تتفكك وتنهار.

الموقف من الأحداث الجارية

كعادة العرب وديدنهم في مواجهة القضايا المختلفة، كان الاختلاف سيد الموقف تجاه الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، وخاصة الأحداث المؤلمة في سوريا، وفي حلب تحديدًا والتي تشهد مجازر مروعة، وقتل بالجملة للنساء والأطفال، وتشريد وطرد لسكانها ودمار شامل للمدينة.

ومواقف العرب تباينت تجاه الأحداث في حلب، فهناك موقف «المولولين» وشعاراتهم التي تبعث على اليأس، وكأن الأمر قد انتهى بالانسحاب من المدينة.

وهناك موقف المتخاذلين الذين يلقون باللوم على الثوار ويغضون الطرف عن جرائم النظام وحلفائه بحق الشعب السوري، والموقف العربي من الأحداث في سوريا هو موقف تخاذل وخنوع، وليس موقف ضعف وعجز عن النصرة.

وهناك موقف الراضين بالمحنة والمسلمين بوقوعها وكأنه قدر محتوم أن يموت الأطفال والنساء والشيوخ تحت الأنقاض، أو أن يتعرض أهلنا في سوريا للاعتداءات الوحشية من قبل النظام المجرم وحلفائه.

وهناك نظرة الحالمين المتفائلين الذين يقولون: إن النصر قادم، ولا بد من دفع الثمن، ولكن ماذا أعد هؤلاء للنصر الموعود؟

والملاحظ هو غياب النظرة الكلية للأحداث والقراءة الواعية للتاريخ، وغياب نظرة المتأملين في سنن الله ـ عز وجل ـ الكونية التي لا تحابي أحدًا حتى ولو كان مسلمًا.

ولفهم ما يحدث في المنطقة العربية حاليًا لا بد من ربط الأحداث ببعضها البعض، لا نقول بدءًا من حرب العراق وتدميره وتسليمه لإيران، وإنما منذ ما يطلقون عليه «الثورة العربية الكبرى» التي أدت إلى تقسيم وتفتيت المنطقة العربية وتمزيقها، ومسلسل التقسيم والتفتيت لا زال مستمرًا إلى يومنا هذا.

والغرب ساند النظم المستبدة ودعم الانقلابات العسكرية التي كانت الضامن لتخلف العرب والمسلمين وإخراجهم من التاريخ بواسطة بعض الضباط المغمورين الذين تلاعبوا بمقدرات الأمة، وأذلوا شعوبها، ومنعوها من النهوض مقارنة بالدول التي مرت بنفس التجارب التي مرت بها الدول العربية، وكانت أوضاعها الاقتصادية أسوأ بكثير من الأوضاع الاقتصادية للدول العربية التي تمتلك موارد بشرية وثروات طبيعية هائلة.

أُكلت يوم أكل الثور الأبيض

«يُروى أنَّ ثَلاثَةَ ثيران، أبيض وأسود وأحمر كُنَّ في أَجَمةٍ (غابة)، ومعهن فيها أسد، فكان الأسدُ لا يقدِرُ منهن على شيء لاجتماعهن عليه، فقال الأسد يومًا للثورين الأسود والأحمر‏:‏ لا يدلُّ علينا في أَجَمتنا إلا الثورُ الأبيضُ؛ فإن لونَهُ مشهور، ولوني على لونكما، فلو تركتماني آكُلُه صفَتْ لنا الأَجمة، فقالا‏:‏ دونَكَ فكُلْه، فأَكَلَه، ثم قال للأحمر‏:‏ لوني على لونك، فَدَعْني آكل الأسود لِتصفو لنا الأجَمة، فقال‏:‏ دونَكَ فكُلْه، فأكله، ثم قال للأحمر‏:‏ إني آكِلُكَ لا مَحاَلة، فقال‏:‏ دَعني أُنادي ثلاثًا، فقال‏:‏ افعَل، فنادى ألاَ إني أكِلْتُ يوم أكِلَ الثورُ الأبيض، وذَهَبَت مَثلاً، وأكلَهُ الأسد”، والقصة تضرب مثلًا لمن يضحي بمن يوفر له الدعم والحماية في مواجهة العدو المشترك، وهو درس لم يستفد منه العرب طوال تاريخهم الطويل الذي تخلوا فيه عن نصرة إخوانهم فكان مصيرهم مصير من تخلوا عن نصرتهم.

والعرب في العواصم العربية المختلفة لا ينتظرون دورهم كما يتوهمون، فهم  يؤكلون الآن، ولذلك يجب عليهم أن يستعدوا – للقادم والذي يبدو سيئًا ولا يبشر بخير – لمواجهة المصير المحتوم الذي ينتظرهم، فلم يعد أحد في مأمن من القتل أو التشريد.

كيف نستعد لمواجهة المصير المشترك؟

المشكلة التي يعاني منها العرب في المرحلة الراهنة هي في الداخل العربي، وليست من خارجه، بالرغم من المخططات الدولية التي تستهدف المنطقة.

وتوحيد الصف العربي، ومعرفة العدو الحقيقي للأمة هي فريضة وواجب الوقت، وبدونهما سيواجه الجميع مصيرًا محتومًا لا مفر منه، إذا بقي الوضع على ما هو عليه الآن.

والإصلاح الداخلي مطلب ملح لتجنيب العرب كوارث ومآس ستحل بديارهم عما قريب، وينبغي التغلب على المخاطر الداخلية التي تهدد أمن واستقرار المجتمعات العربية، وفي مقدمتها الطائفية البغيضة.

وتحصين المجتمعات العربية من الداخل يتطلب أمورًا منها: الإقرار بالمواطنة والحقوق المتساوية لجميع أفراد المجتمع، وضمان الحريات والمشاركة في الشأن العام، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون وغيرها من الأمور التي تضمن وتصون كرامة المواطن العربي.

والمجتمعات العربية بحاجة إلى الوعي بالمخاطر المحدقة بالأمة العربية وبالمسلمين في أنحاء العالم، والاستعداد لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة التي تتطلب وحدة وإخلاصًا وجهدًا وعملًا مشتركًا من أجل الحفاظ على اللحمة الوطنية وتحقيق مصالح وطموحات الشعوب العربية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حرب, نؤكل, نحن
عرض التعليقات
تحميل المزيد