في فيلم الحالة المحيرة لبينجامين بوتن يلعب براد بيت دور بنجامين الذي يعاني من مرض البروجيريا. ويولد بنجامين عجوزا قبيحا يعاني من آثار الشيخوخة، ثم يبدأ في التأخر في السنّ تدريجيًا حتى يصبح غير قادر على تمييز أصدقائه وأعدائه، ليموت في طفولته. الثورات أيضا يمكن أن تصاب بـ(البروجيريا) عندما تصبح عاجزة عن التمييز بين أبنائها وأعدائها. مرت أكثر من سبع سنوات على ولادة الثورة، ولم يعد هناك شيء يدل عليها سوى شواهد قرابينها التي التهمتها كما تلتهم اللبؤة صغارها، أو أسماء بعض الساحات والمفترقات التي غصت بالقوادين والعرابين الجدد.

إن الثورة هي في الحقيقة ليست سوى فكرة، تستمد قوتها من المدافعين عنها. وأولئك المدافعون هم أنفسهم الذين لن يترددوا في النزول إلى الشوارع عندما يشعرون أن الفكرة صارت مهددة. ولذلك فإن أخطر الناس على فكرة ما، هم أولئك الذين يقفون في منتصف الطريق بين أعدائها وأنصارها. وعندما يتعلق الأمر بقضية شعب، يصبح الحياد ضربا من ضروب الخيانة المشروعة. وإذا كانت قضية ذلك الشعب إنسانية، فإن الخيانة المشروعة تصبح شكلا من أشكال العداوة. إن المحايد رجل يقف عاجزا في منتصف الطريق بين ضربة الجلاد وصرخة الضحية. إن المحايد رجل خذل القضية والمدافعين عنها في الوقت نفسه. ولذلك كان أحد المقاتلين في ساحة المعركة يردد (يجب عليك أن تختار الآن وللأبد في صفّ من تقف أنت؟ لا زالت هناك رصاصة واحدة في بندقيتي وآلاف الأعداء وأنت).

لا أذكر من قال (أنت لست مسؤولا فقط عن الأشياء التي قلتها، بل أنت مسؤول أيضا عن الأشياء التي لم تقلها حين كان يجب أن تقولها). فما أكثر الأشياء التي كان يجب أن نقولها منذ بدأت الحروب تلتهم أوطاننا، واحدا تلو الآخر، لكننا سكتنا؛ إما بسبب الخوف، أو لأن الموت صار خبزنا اليومي الذي نقتات عليه؛ نتصفح جريدة الصباح فتصادفنا أسماء أشخاص عاديين جعلتهم الحرب مصادفة مشاريع أبطال في عناوين الصحف اليومية. وفي المساء، نفتح شاشة التلفاز فتحدثنا لغة الأرقام عن عدد القتلى والجرحى، وقد نسينا أن أولئك الذين يموتون وراء الشاشة المستطيلة هم بشر مثلنا تماما من لحم ودم ووطن، لكن لا أحد حدثنا يوما عن الضحايا الذي سقطوا أمام الطرف الآخر من شاشة التلفاز.

إن ما يحدث للأطفال في سوريا ليس قضية السوريين وحدهم، وما يحدث للأزيديين في العراق ليس قضية الأزيديين وحدهم، وما سوف يحدث غدا ليس قضية الجيل الذي سيأتي من بعدنا لوحده، بل هي قضية ملايين البشر الآخرين الذين ماتوا من الداخل على قارعة الحرب والجوع والخوف. ولذلك كان غسان كنفاني يردد (إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونوا درسا صغيرا للعيون الحية). وفي زمن الحرب تفقد الأشياء معناها الحقيقي، وتصبح كل التفاصيل فعل مقاومة أبدية قبل أن تضيع القضية بين تخلي الجبناء عنها، وركوب الانتهازيين عليها. إن حادثة مقتل بائع عرقسوس في المساء، يمكن أن تتحول في الصباح إلى عنوان رئيس في صحيفة تعاني من أزمة مالية منذ سنوات، أو حوارا تلفزيونيا بين سياسيين عرب يعيش أحدهما في باريس والآخر في لندن، اختلفا حول موقف المعارضة من هذه الحادثة.

إن الأنظمة مثل البشر، تطور ردود فعل مختلفة عندما تشعر بالتهديد أو الخوف، ومن بين الطرق التقليدية التي تعتمدها بعض الأنظمة لتضفي على نفسها شرعية الخوف، هي سياسة صناعة الأزمات؛ أزمات اقتصادية، سياسية، دينية، وثقافية. ثم تقدم نفسها على أنها المنقذ للبلاد من تلك أزمة (التي لا وجود لها أساسا). ولذلك فإن الدولة عندما تشعر بالتهديد أو العجز، ستبرر توظيف كل الوسائل لضمان بقائها، بما في ذلك المؤسسة الأمنية، وحينها فقط تخرج الأمور عن سيطرتها؛ لأنها تضفي على فعل المقاومة شرعية وجودية. ومع كل مشكلة جديدة تبحث الأنظمة عن مبررات فكرية، ودينية للدفاع عن بقائها. وعندها يتدخل علماء البلاط والقوادون للدفاع عن نظام حكم، أو تبرير قرار سياسي ضد الشعب.

إن مشكلتنا الحقيقية في هذا العالم هي أننا تجردنا تماما من إنسانيتنا. فكل مصائب العالم تبدأ عندما نجرد الآخرين من إنسانيتهم، عندها فقط نستطيع ارتكاب أي جريمة في حقهم، فهم في النهاية بشر من درجة ثانية، وكل ما نقوم به يصبح مشروعا من الناحية الأخلاقية والاجتماعية. لقد سقطنا، نحن العرب، ألف مرة في اختبار الإنسانية، فخسرنا القضية دون أن نتحرك من بيوتنا. لقد صرنا بحاجة لبشر آخرين، تؤلمهم مشاهد الموت والحرب والجوع، وحكام آخرين يمكن أن ابتسامة طفل أو تقتلهم وردة، مثل الشاعر ريكليه.

يا سادتي، إنا للشارع وإنا إليه راجعون. أعلن ها هنا موت الثورة. فهل يمكن أن تولد الثورات من رمادها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد