نعم نحن مرضى، نعم، نعم.. نحن الجزائريون مرضى، مرضى بداء غريب تغلغل وتمتع بنهش أجسادنا المرهقة، نعم، نحن مرضى بالخوف والرهبة، مرضى بفترة أطبقت على أنفسنا لمدة عشر سنوات بأكملها، فترة قتلت الوطنيين منّا، سجنت شباب الجامعات الذين نادوا (نعم للحرية)! ونادوا لقد سرقوا حقنا واغتصبوه.. إن هذه الفترة صعبة للغاية، رفعت من نسبة الخوف لدينا، وقتلت فينا حب التحرر، والكلام نجلس في زاوية من هذا الزمن ننتظر الشفاء على عجل.

نعم لم يأت هذا الترياق الذي يبيد فيروس الخوف فينا ويقتله الحال يزداد سوء ومضاعفات الخوف تتفاقم يعطوننا مهدأ كاذبًا من الفترة إلى الأخرى قصد تنويمنا من جديد بترياق قديم ألف دمنا المرتعب مكوناته. هذا الترياق كان مفيدًا في فترة من الفترات الأولى لبداية المرض، فالمرض تغلغل نهاية خمسينات القرن الماضي ليمشي في دمنا، ويتفاقم إلى أن ظهرت أعراضه مطلع تسعينات القرن العشرين.

الأعراض كانت أقوى وأفتك من المرض نفسه؛ لأن المرض يسري بهدوء داخل دمنا المعتل بأنواع أخرى من الفيروسات الصغيرة التي طالما كانت تريد أن تؤثر وتفشل كل مرة.

الأعراض تتمثل في حمى شديدة، حمى ليست كالحمى فقد طال أمدها خلال بداية ظهور الأعراض، كانت قد مر عليها 30 سنة تمتاز برعشة غريبة وبرد مع قليل من الغليان على مستوى الرأس، إن المتتبع لمسار هذا المرض اللعين إلى غاية بداية ظهور أعراضه كما سبقت الذكر يعرف أن الجسد قد خدع في مرة من المرات وخلال دفاعه أيضًا عن مرض أخبث من المرض الذي نتحدث عنه بمئات المرات.

نعم لقد قذف هذا الجسد الوهن بحقنة مباغتة كان يظن أنها ترياقًا، وإذ بها شكل من أشكال السم الغادر الذي تم بثه في أركان الجسم بمساعدة بعض البكتيريا المتواجدة داخل الجسم.

هذا المرض أصاب فينا القدرة على التحرر من جديد، وعزّز فينا القابلية على استقبال أنواع أخرى من السموم.

استراتيجية هذا الوباء لا تقتل مباشرة، بل تعمل على بتر أعضائه لتمنعه من الحركة، ثم تتفنن في الإجهاز على بقية الأعضاء الحيوية بطريقة ناعمة سلسة، فبداية هذا المرض بدأت بحمى ودماء واحمرار، أي بحرب وقتل وزج في السجون وتحول شكل السريان، إلا طريقة ناعمة، وهي الأخطر، حيث الطريقة الناعمة تشعر هذا الجسد أنه في حالة جيدة من الرفاه والتقدم، وتجعله يظن أنه في أوج الحضارة ويمتلك صفاتها التامة.

الطريقة الناعمة إن استمرت ستدفن هذا الجسد عن قريب وستدحرجه من أعلى الجبل إلى الوادي مرورًا بمجموعة من الأحجار والصخور الضخمة التي ستصدم برأس هذا الموبوء المسكين وتفقده الذاكرة لا محالة.

لكن العجيب في هذا الجسد أنه لازال حيًا؛ لأن فيه أعضاء لم يصلها مفعول هذا الداء اللاتيني القادم من جنوب أوروبا العجوز، وهذا هو الشيء الجميل في الأمر طبعًا، على أمل منا أن تبث هذه الأعضاء نفسًا جديدًا في هذا الجسد المنقوع في قدر سم دافئ، وعلى نار أقل ما يقل عنها حارقة.

التفنن في ردع هذا المرض تراجع وتقهقر، لكنه لم يتبدد، وهذا الأمر يبث مساحة واسعة من الأمل، إن التاريخ سيلعن هذا المرض الذي وجد كل الظروف، من القابلية الإصابة إلى غياب الوعي، مرورًا بالانغماس حد الغرق في مياه الغرب الثقافية ونسيان المرض السابق.

قلت إن التاريخ سيلعن هذا المرض، لكن سيلعننا نحن قبله؛ لأننا وفّرنا له ما يحتاجه من غباء وسذاجة أملي في نهاية كتابة هذا الحروف أن يتمكن جسدنا الحبيب من التخلص من هذا المرض وردعه وسنكتب على جدران تاريخنا أن هذا المرض (خائن) مخادع لا يستحق منا إلا اللعن، وأتمنى كذلك أن تكون لدينا جرعة كبيرة من الوعي لنتناولها في شكل دفعات سياسية وتاريخية طبعًا عن طريق العقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد