«عيب، غلط، اسمع الكلام، ما فيش مناقشة، أنا خلاص قررت، لازم تكون أحسن من فلان».

من منا لم يسمع على الأقل واحدة من الكلمات السابقة من والديه طوال سنين طفولته ومراهقته، بل ربما ما زلنا نسمعها الآن، حتى بعد تجاوزنا خط العشرين!

أعلم جيدًا أن السطور القليلة القادمة قاسية نوعًا ما، ستواجه بالرفض والإنكار، وما نتحدث عنه هنا، ليس تعميمًا على كل الآباء والأمهات، وليس إنكارًا لما بذلوه معنا، لكنها الغالبية العظمى، ونموذج نواجهه يوميًا، فإذا لم تستطع تنحية العاطفة قليلًا، فلا تكمل قراءة.

نشأنا جميعًا في مجتمع محافظ، حتى باختلاف طبقاته الاجتماعية، فالعيب والخطأ، العادات والتقاليد والأعراف، الحاكم والمسير لأفعالنا.

بالرغم من عدم وجود تعريف محدد للعيب والخطأ، فهي تعبيرات مطاطة تحتمل التأويل، والتصريف، وتختلف من طبقة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، الأسرة والعائلة المتحكم الأساسي في كل تصرفاتنا، كأبناء، وليس من حقنا النقاش، القرارات تؤخذ، وهي الأصح، قضي الأمر، وجب عليك التنفيذ، لا مجال لسماع مهاتراتك.

يعتقدون أن إنهاء أي نقاش بالأمر هو الحل الأمثل، والأكثر راحة للنقاشات الحادة، التي لا يستطيعون إنهاءها مع أبنائهم بمنطقية وهدوء.

هم لا يدركون أن هذه الطريقة لن تستمر طويلًا، الأمر ليس حلًا للخلافات، بل ستتراكم مكونة فجوة تتسع يومًا بيوم، ولن يستطيعوا حلها.

الهروب إلى الأصدقاء والشارع، التواجد طوال اليوم خارج البيت، هي البدايات التي لم تلاحظوها، وأنتم المسئولون عنها، الساعات القليلة داخله ستكون هروبًا أيضًا، لكن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والعزلة في غرفهم.

تدريجيًا لن يجمعكم هدف مشترك تتحدثون فيه سويًا، ستتهمونهم بالفشل في كل شيء، سيواجهوكم بالانطوائية والانسحاب.

الهوايات

منذ الصغر الغالبية العظمى من الأهل هي التي تقرر أية رياضة أو هواية سيمارسها الأبناء طبقًا لرؤيتهم الشخصية، هذا إذا كان الدخل المادي للأسرة من الأساس يسمح بزيادة في مصاريفها لتعليم الأبناء رياضة ما  بجانب دراستهم.

فالطبقة المتوسطة لن يسمح لها دخلها المادي بمساعدة الأبناء على تنمية أي مهارة لديهم، وبالتالي مع نهاية مراحل التعليم سنكتشف فجأة أننا لم نمارس هوايتنا المفضلة لحظة، نحن لا نعلم من الأساس ما هي تلك الهواية؟ وهل كنا سنبرع فيها أم لا!

وإذا حاولنا وقتها تدارك الأمر، سنتهم بالسطحية وفراغ الشخصية، والعقل أيضًا.

التعليم

مراحل التعليم وطريقة سيرها تقررها الدولة حتى المرحلة الثانوية، ثم يترك لك أخيرًا قدرًا من الحرية لتختار التخصص العلمي في دراستك «علمي أم أدبي»، «علمي علوم أم علمي رياضيات»، وهنا  يحسم الخلاف برغبة الآباء، لا نحن.

فجميعهم يريدون منا تحقيق أحلامهم التي لم يستطيعوا تحقيقها بأنفسهم، فهذا والده تمنى أن يصبح مهندسًا، وهذه والدتها تريد أن تراها طبيبة، وبناء عليه فعليهم تحقيق رغباتهم وأمنياتهم، إن لم يكن بالإجبار، فيكون بالابتزاز العاطفي بغض النظر عما يريدون هم أو ما يتمنون.

ونتيجة لذلك تنحصر أفكار الأبناء في الآتي «لا بد أن أنجح بل، أتفوق؛ سعادة والداي معتمدة علي، أنا المسئول عن نجاح الأسرة بالكامل، لن أسامح نفسي إذا أخفقت.

فلا ينظر أحدهم لرغبة الأبناء أو لقدراتهم الذهنية، ومناطق تفوقهم العقلي، ولا يدركون مدى الإرهاق النفسي، والثقل الذي يحملونهم إياه.

ثم يطالبونهم بالحصول على أعلى الدرجات، ليس فقط من أجل التميز العلمي، بل أيضًا للتباهي والتفاخر أمام الأقارب والجيران، وزملاء العمل، ومع نهاية كل عام تتعدد حالات الانتحار بين طلاب وطالبات الثانوية العامة، وتتصاعد الاتهامات ضد الدولة، ونظام التعليم بها، ومدى صعوبة الامتحانات، وهذا جانب لا نستطيع إنكاره، لكن ما يتناساه الآباء أنهم المسئول الأساسي عن هذه الجريمة، وشريك رئيس فيها، فهم من يضغطون نفسيًا وعاطفيًا على الأبناء طوال هذه المرحلة، هم المسئولون عن تأنيب النفس وجلد الذات، والإحساس بالإخفاق والفشل.

ثم تأتي فرصتك الثانية في الاختيار، وهى اختيار الكليات التي بنسبة كبيرة قد تم حسمها مع اختيار التخصص العلمي في المرحلة الثانوية، لكنهم أيضًا من يقررون أية كلية يجب عليك دخولها تبعًا لنظرتهم وتوقعاتهم لسوق العمل، ولا يعلمون أن نظام التعليم المصري في نهاية المطاف كل الكليات سواء، لكنهم يصرون على أن يجعلونا نصارع طواحين الهواء في معركة نفسية غير مجدية.

غير أن الإناث هن الأكثر ضررًا وتأثرًا في هذه المرحلة، فلهن وضع خاص أيضًا من هذا التحكم، فكثير منهن قد حصلت على أعلى الدرجات التي تؤهلها للالتحاق بالكلية التي تريدها، لكن تتدخل الأسرة، وترفض الكلية؛ لبعد المسافة بينها، وبين مكان إقامة الأسرة، وهم لا يريدون لبناتهم السفر لمحافظة أخرى، بل ربما لمنطقة أخرى داخل نفس المحافظة؛ كي لا تقابل الشرير خلال الرحلة.

وينتهي كل شيء بقرار واحد، من دراسة تحبها وتتمناها، وبذلت الكثير؛ لتستطع اللحاق بها، إلى كلية أقل، ودراسة مختلفة.

الكثير والكثير من الحالات التي عايشتها مع هؤلاء الفتيات اللاتي تتحطم أمالهن، وأحلامهن؛ لكونهن إناث تابعات لسلطة الأب.

كل شيء تابع لقرار الأسرة بداية من ملابسنا وأشكالها والمعايير المحددة لتلك الملابس؛ لكي تناسب المجتمع، ويرضى عنها، أصدقاؤنا الذين يحددون في مرحلة ما من نصادق منهم، ومن ننبذ، علاقاتنا الاجتماعية وأشكالها وإطارها، حتى مواصفات من نريد الارتباط بهم، والسن المناسب لهذا الارتباط.

أتعلمون! حتى التزامنا الديني في أية عقيدة، نحن من سنحاسب عليه، وليس أنتم، لن تواجهوا الله بدلًا عنا.

هم يروننا ملكية خاصة لمجرد أنهم المسئولون عن وجودنا في هذه الحياة، ناقصو الأهلية، مهما تقدمنا في العمر، ولابد لهم من تسيير أمورنا، لا نقدر على الاختيار الصحيح.

لا يدرون أننا في سنواتنا الصغيرة اكتسبنا العديد من المفاهيم، تغيرت معتقداتنا، اختلفت نظرتنا للأشياء، ومررنا بالكثير من التجارب التي من الممكن أنهم لم يمروا بها، للعديد من الأسباب منها التغيرات الاجتماعية والسياسية التي مر بها المجتمع، وحالة الانفتاح السياسي والثقافي به.

ما تفعلونه بنا طوال هذه السنوات من الأسلوب الخاطئ في التربية لن يجدي نفعًا، وثماره شخصيات مشوهة نفسيًا، منغلقة، تعاني الكثير من الأمراض الاجتماعية.

فإما إنسان فاشل مهتز عديم الثقة بنفسه، لن يستطيع اتخاذ قرارًا أو حسم مسألة بمفرده، مهما تقدم في العمر، سيظل متردد ضعيف خائف، حتى وإن استطاع اتخاذ قرار يومًا ما بمفرده، فلن يفصح عنه خشية تحمل نتائج قراره بمفرده.

أو إنسان غاضب متمرد عنيد، لن يقبل بمشاركتكم رأي، حتى وإن كان يعلم جيدًا في قرارة نفسه أنكم على حق.

نتاجكم في الحالتين خاطئ وكارثي.

نحن نستهلك الكثير من السنوات، ونخسر الكثير من الأشخاص، ونرهق أرواحنا؛ في محاولة لتصحيح أخطائكم.

محاولتنا لاتخاذ قرارات شخصية ترونها مخالفة لكم، جنونية، حمقاء لمجرد أنها قرارات فردية.

لكن في حقيقة الأمر، الغضب الذي ينتابكم ليس بسبب خطأ القرار، أو مدى حماقته، بقدر ما هو إحساس بفقدان السيطرة والتحكم؛ لأننا شببنا عن الطوق، لأننا اخترنا طريقًا غير الذي تريدون منا أن نسلكه.

ألا تدرون أن سنوات العمر ليست دليلًا على النضج والخبرة، وليست شفيعًا لكم، لاتخاذ القرارات بدلًا عنا.

من يقرر أن ما تروه كأباء هو الأفضل لنا؟ من يقرر من الأساس أن الأفضل بالنسبة لشخص هو نفس الشيء بالنسبة لآخر.

أنتم منحتمونا الحياة، لكنكم لن تعيشوها بدلًا عنا، قراراتنا واختياراتنا، نحن الوحيدين، الذين سيتحملون ويواجهون نتائجها، وليس أنتم.

اختياراتنا مختلفة، عقولنا، معتقداتنا ومبادئنا، نظرتنا للأمور مختلفة، درجة إيماننا، طبائعنا، أصدقاؤنا، مقدار الحب والكراهية، لا يمكن أن تخلقوا نسخًا كربونية منكم.

لا تتركوا لنا حرية الاختيار، وتقرير المصير فقط، لكن تقبلوا هذا الاختيار واحترموه.

تقبلوا اختلافنا، تقبلونا كما نحن بعيوبنا، بنقاط ضعفنا، بلحظات فشلنا، تقبلوا من أرادت تغيير مظهرها الخارجي لأية صورة كانت، تقبلوا من ذهب يبحث في مسألة إيمانه.

ساندونا إذا أسأنا الاختيار، ولا تجلدونا، فهذا ما يجعلكم آباء صالحين، وإن لم تستطيعوا مواجهة أنانيتكم، فلا داعي لوجودنا، ولا داعي لأن تأتي للحياة بشخص، وأنت تحكم عليه مسبقًا أن يعيش مثلك تمامًا، أو لا يعيش، وينبذ، ويكره، ويعنف، ويتهم بالفشل.

لا تدفعونا للاختيار بين ما نريد، وبينكم أنتم شخصيًا؛ لأنها مقارنة ليست منطقية، وإذا حسمها العقل، فهي لصالح الاختيار الحر.

نعلم جيدًا أن هذا الخناق هو نابع من خوف وحب شديدين، لا تريدون لنا أن نمر بالسيئ ونواجهه، تريدون لنا مستقبلًا، وحياة أفضل، لكن ليس داخل هذا السجن وهذه القيود، اتركوا لنا حياتنا نخطئ ونتعلم،  نختار ونرفض، نرغب ونزهد، نسعد ونتألم.

دعونا نخض التجربة، وادعوا لنا أن ينجينا من الشرير، فلقد رفع عنا القلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد