جلستُ يومًا في عيادتي أمام جهاز «المصباح الشِقّي»، وهو جهاز الكشف الرئيسي لطبيب الرمد والذي لا يمر مريض عيون دون القعود أمامه، وتساءلت تساؤلًا صادمًا. هذا الجهاز يستورده أبناء وطني من الخارج، فماذا يحدث لو لم نجد هذا الجهاز لدينا في بلدنا؟ الإجابة كارثية.

عدم وجود هذا الجهاز معناه انعدام طب العيون في بلدنا تمامًا! ثم دلفتُ نحو الميكروسكوب الجراحي في غرفة العمليات وتخيلتُ لو أن مصباحه احترق، فماذا سيحدث لو لم تورّد لنا البلد الأم هذا المصباح بدلًا من المحترق؟! الإجابة فظيعة، لن نقوم بإجراء عمليات عيون أبدًا في وطننا! وسيصاب مئات الآلاف من بني شعبنا بالعَمَى الأبدي! ولكن لماذا نذهب بعيدًا؟ لقد اصطدمت بحقيقة غريبة لم أشغل بها خاطري من قبل، وهي أن المشرط الجراحي بجميع أشكاله وخصوصًا أنواعه الخاصة بطب العيون نستوردها من الخارج دون أن نستطيع حيلة أو نهتدي سبيلًا، فبدون هذا الخارج ما كان لنا أن نفتح خرّاجًا صغيرًا يؤلم إنسانًا مسكينًا في بلدنا هذا، إن تخصصًا معقدًا مثل طب العيون يعتمد اعتمادًا كليًّا على عشرات الأجهزة للفحص والأشعات والليزر التي تأتينا من الغرب بملايين الجنيهات، بدونها لن يستطيع أبناء وطني رؤية الدنيا من حولهم؛ بل لن يستطيعوا الحياة أصلًا.

يظن بعض عامة الناس أن شركات الأدوية في بلدنا تصنّع لنا الدواء، وهذا وَهْم مطلق يثير الضحك الذي هو أشبه بالبكاء! فشركات الدواء المحلية لا تصنع مادّة الدواء الفاعلة، وإنما تستوردها من الغرب والشرق، وتقوم بتشكيلها وتعبئتها وطبع اسمها عليها وبيعها بأضعاف سعرها الأصلي لأبناء وطننا المغلوبين على أمرهم! والمعادلة بسيطة لا تقبل النقاش، بلا استيراد دواء من الخارج لن نستطيع أن نحيا على هذه الأرض.

لك أن تتخيل مريض السكريّ –وهو أبسط الأمراض المنتشرة في بلادنا– بلا إنسولين ماذا سيحدث له؟ إننا أمام حقيقة لا شكّ فيها وهي أننا مدينون للعالم الغربي -بعد الله عز وجل– بالحياة!

إن كل الأجهزة المعملية وأدواتها من ميكروسكوبات ومستلزمات تشخيصية تأتي لنا من الغرب، وهذا يعني أنه لا يمكن تشخيص أي مرض في بلادنا بلا إذن وتصريح من الغرب!

كما أن أجهزة الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي بل جميع أجهزة الأشعة في كل التخصصات نستقدمها من بلاد الغرب؛ بل لا نعرف كيف نصنع جهاز ضغط أو سماعة، وهذا يؤدي لمعلومة بسيطة وهي أنك أيها العربي لن تعرف تشخيص مرضك فضلًا عن علاجك بلا تصريح وموافقة من الرجل الأبيض في أوروبا أو أمريكا!

إن جهاز المصباح الشقّي الذي لا يستغني عنه طبيب العيون، أو جهاز الكمبيوتر الذي يبين مقاس النظارة يكلّف عشرات الآلاف من الجنيهات نعطيها للدول الغربية بصدر رحب ليعطونا حقنا في الطب والعلاج! كما أن ميكروسكوبًا جراحيًّا أو جهاز أشعة يكلفنا ملايين الجنيهات تُمتص من اقتصادنا ومواردنا ليأخذها الرجل الأبيض فينتعش اقتصاده، وفي المقابل ينحطّ اقتصادنا في الحضيض! مع العلم بأن المادة الخام التي تصنع منها تلك الأجهزة ربما استوردها منا الغرب بمئات الجنيهات ليصدرها إلينا مرة أخرى على هيئة أجهزة بملايين الجنيهات، ثم يأتي متسائل مسكين ويتعجب مستفسرًا: لماذا ينهار اقتصادنا؟ ولم تنخفض قيمة عملتنا؟ ولماذا يحدث التضخم؟!

هنا ينبغي لك أيها العربي أو المسلم أن تعرف قَدْرك جيدًا؛ فنعمة النظر بعينك بل نعمة الحياة بل نعمة التنفس وقلبك الذي ينبض، إنما هي رهينة لرضا الغرب عنك؛ فلو أنك فكرت لحظة أن تُغضب السيّد الغربي فمصيرك هو الهلاك والموت المحقق! إنّ عدوّك ببساطة لا يحتاج أن يجيش جيوشه لتدميرك، فيكفيه أن يمنع عنك سبل الحياة لتركيعك وإذلالك! هل عرفتم الآن لماذا مات مليون طفل عراقي أثناء حصار الولايات المتحدة وحلفائها للعراق بعد حرب الخليج؟! إن هؤلاء الأطفال لم يجدوا الطب والدواء فماتوا غير مأسوف عليهم، فهؤلاء لا قيمة لحياتهم في هذه الدنيا!

لو امتنع الغرب عن منحنا أجهزة التشخيص والعلاج والدواء فمصيرنا هو الفناء، ما دمنا لا نصنع شيئًا، ولا نبتكر شيئًا، ولا نعرف شيئًا، ولا نفهم شيئًا، فقبل أن نفكر في مواجهة الغرب العدوّ المتسلط علينا، أو الخروج عن دائرة فلكه، أو التمرد على سيادته علينا أن نعرف كيف نعالج مرضنا وحدنا بدون اللجوء إلى أعدائنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد