سواء أكان هذا المجتمع بدائيًّا أم متطورًا؛ رجعيًا أم تقدميًا؛ فإن مشكلة الفكر بين مد وجزر وليست هناك أمة مستهدفة إلا و فيها عقول قادرة على الفهم والإدراك والقدرة على تعميق الوعي بفكرة الوطن، وهذا الاستهداف ليس وليد الساعة، فإن الإنسان هو هو ساذج ومنخدع، والأهواء هي هي كيدها لا يعظ البعض .

إنهم يستهدفون عقول العرب لأن العقول السليمة لها مكانة لدى الشعوب الواعية الطموحة ولسنا نقول ذلك ظنًا و تخمينًا، إنما حق العقول علينا احترامها والاستفادة منها؛ فالعقل الواعي المتحرر المتأمل هو القيمة الوحيدة القادرة على منع الإنسان من التحول إلى سائمة اجتماعية.

لكن نجد البعض ينظر بمنظار ساذج ويستخف بأصحاب العقول؛ أصحاب الصيحات الناصحة للأمة الذين هم في تجمعهم، كما شبههم الرافعي، كحب القمح في السنبلة إذ كل السنبلة المنظومة خير وكلها نفع ولست بالمميز حباتها؛ فالعجب ممن يتلكأ ويسكت لنخرج فيما بعد بأجيال مشوهة العقول مطوية المعالم لا تدرك إلا بعقول أعدائها .

فتزوى النماذج الصالحة وتتألق النماذج الهابطة ولا يكاد ينفذ أصحاب الفكر إلى الفكر، ولا يكاد القابضون على الأمر يشعرون بما يعانيه أصحاب العقول القابضون على الجمر، فلا يبقى إلا الصراع الخافت الظاهر، وتتعرض السفينة الاجتماعية كلها للضلال والضياع بسبب زلات العقول؛ فهلا عقل ولاة الأمر ذلك؟ حتى لا تغرق السفينة فليس من الصواب أن نحجر على أصحاب السعة والفكر.

وما يجعلهم يستميتون بهذا الاستخفاف أنهم لا يستشعرون حاجة الناس، وسرعان ما تنحرف أهواؤهم وينفذ صبرهم ويسرع إقرار الأمور وحذفها، وتسمع نبرات الأصوات فوق المنابر الموطأة؛ فكثافة الأحداث تلهي العاملين ولا تسمع منهم إلا غمغمات وهمهمات معظمها مجاملات ونظريات ومجرد انفعالات أو خيالات؛ يخفضون رؤوسهم أمام فزاعة الفراغ ويُتَلاَعَبُ بهم تحت غطاء وهمي اسمه سيادتكم، وصورة هؤلاء أضل من البهيمة .

تمنيت لو أننا تجردنا من نظرتنا الضيقة وإسرافنا في الحذر فندافع عن الفكر كميدان لا يختلف عن الاقتصاد؛ فالمجتمع من دون اقتصاد سليم لا يمكن أن ينتعش وترك الاقتصاد لغير الاقتصاديين سيدمره، وترك الفكر لمن لا يصلح له سيدمره بل ربما يقبره؛ ومن الواجب أن نحذر من تاريخنا القادم و من صراع العقول الفارغة والعقول الممتلئة، وصراع الحق والباطل، وعلى كل صاحب فكر أن يحاسب نفسه بنفسه وأن يجتهد في خلق فسحة من الأمل تخوِل له تكوين مجال فكري حر؛ فالفكر كالوردة مهما تكوكبت في مسالكها الأشواك تنمو ؛ وهو أقوى من لا معقولية الأشياء.

يتحتم علينا أن نخرج من توحش الآراء والمواقف إلى تحضّرها، وهذا يحتاج بدرجة أولى التخلص من العبودية المقننة للعقول؛ فالعقلية العربية محكومة بإرث ثقافي ينتقص من الاجتهاد حيث ينتقي من التاريخ الصراعات والظلام ويغيب اللحظات المضيئة، وهذا ما اتجه له ورثة التبعية الفكرية الذين حجروا على العقل الفهم والتلقين والتبصر وسجنوا الإنسان داخل إرهاب المقلدين والمنبهرين بالحضارة المعاصرة حيث أصبح على استعداد للتقديس والتسليم المطلق بغير حساب.

النفور من الحوار المخالف والحكم على النوايا والانشغال بالشعارات وشخصنة المبادئ والاهتمام بالماضي والوقوف على أطلاله وإلغاء الحاضر وعدم تقدير العلوم الحديثة والخلط بين الثوابت والمتغيرات استطاعت أن تقودنا إلى الجمود الفكري والتقليد الأعمى واستطاعت إخراجنا من نطاق الإصلاحات الجزئية إلا اللامبالاة والمعالجة السطحية الساذجة فاستمر العقل بلا إبداع بلا تفكير.

فكر مستورد، فكر محلي هش، فكر فاسد، تغريب وتحديث وغزو استعماري، عقول مثرثرة وأخرى إرهابية تتشاجر في محراب التفكر والتدبر وكأنها أطواق نجاة وهي لم تخل من التردي والتخبط والإحباط؛ أضف على ذلك العطالة الفكرية والانحياز الأيديولوجي إلى طبقة أو فكر أو فئة معينة، وكل مطلع على فكر أو ثقافة الآخر وخباياها ليتمكن فقط من السجال والنقاش وإظهار نقائص وعيوب هذه الثقافة بسبب خلافات شخصية أو نعرات قبلية أو مفاخرات تعصبية؛ وما هي إلا بذور بذرها متربصون بنا ويريدون لبذرهم النمو والاستواء حتى يزيدونا فرقة واختلافًا.

إن العقل ليس مجرد اختزان للمعلومات والصفات الوراثية أو تفاعلات دماغية تنتهي ببناء الخلايا اللازمة للتفكير، هذه نظرة اختزالية مفجعة؛ فالعقل هو التوصل إلى اكتشافات علمية وابتكار فكر متجدد وطرح تساؤلات تنقيه مما يعتريه من خلل أمام ما نعيشه من انفجار معرفي يحوي الغث والسمين؛ فعندما يغيب الصدق مع النفس ومع الموضوع ومع الناس؛ فإن الفكر يفقد جلاله ويصبح صغيرًا في عيون الشعوب العربية، بل يتحول إلى عظم بدون عقل ويكون جسدًا بدون روح يسهل الافتتان فيه ويصبح لاقطًا لأي تشكيك.

الكيان الحي يحتاج إلى غذاء وماء وغيرهما، وإذا أحس ذلك الكيان بالحاجة إلى غذاء توترت أجهزته العضوية حتى إذا ما سرى فيه الغذاء المطلوب استراح واسترخى، كذلك الإنسان يحتاج إلى حاجات عقلية وجدانية وإن افتقدها تأزمت النفس، وبما أن العقل يشكل البنية العقلانية للأمة تتجلى كأوضح ما يكون يجب أن يكون أداة لخلق الواقع لا أن يكون مثل الخيط في إبرة.

ثم لا يمكن اعتقال الفكر، فالأفكار تطير والفكر ليس مجرد أقوال نرددها وليس فقط قول للقلم إنما قول للفعل والبحث والتجديد، وليس عبارة عن منظومة آراء كتب لها عمر طويل، إنما اعتقاد وفقه وتشريع ممنهج وعميق يخفى على معظم المتطلعين .

ونحن لا نريد للزوبعة التي أقامها البعض حول أفكارهم البالية أن تَتَّسِع عن الحد المطلوب لها؛ حتى لا تصبح جنازة حارّة لميت مجهول يلفظ المجتمع أفكاره، فإن الفرق كبير بين حرية الفكر والإبداع، وبين حرية الإسفاف والدعارة الفكرية.

خلاصة الأمر أنك لا تستطيع تحرير عقلك بدون تفكير شمولي ومعرفة مترابطة؛ فليكن فكرك نورًا يضيء، وسراجًا يشتعل. وفَكِر حتى إن حُبست أفكارك، واكسر عقلك بالصبر والمعرفة فرغد التفكير يبدأ بمجرد إنارة، وبما أنك محتاج لقدوة فعليك أن تبحث عن القدوة غير معتمد على ثناء الآخرين بل على إحساسك أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد