يدور النقاش هذه الأيام حول الانتخابات، فهل الذهاب إليها يعد حلًا للأزمة الليبية، أم أن الحال سيكون مثل الدوامة والأخطاء السابقة؟ ومن هنا تطرح جملة من الأسئلة والتصورات والفرضيات للمشهد السياسي الليبي قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها.

فلنبدأ

أول سؤال يطرح هو: على أي أساس ستجرى الانتخابات؟ مما لا شك فيه أن تعديل الإعلان الدستوري يتطلب موافقة مجلس الدولة والبرلمان، وهذا صعب جدًّا، إن لم يكن مستحيلًا، وربما يرد في الأذهان إمكانية التخلص من عرقلة رئيس البرلمان «عقيلة صالح» ورئيس مجلس الدولة «عبد الرحمن السويحلي»، ونجري الانتخابات على أساس مشروع الدستور المقدم من الهيئة التأسيسية، خاصة بعد نجاة المسودة من سيف القضاء الإداري، بموجب حكم المحكمة العليا الأخير، رغم أن الطعن بعدم الدستورية ما زال مفتوحًا، لكن وإن قمنا بذلك فالأمر يتطلب وضع قانون للاستفتاء على الدستور، وكذلك قانون للعملية الانتخابية التشريعية والرئاسية.

وفي كلتا الحالتين سيؤدي بنا الأمر إلى الذهاب مجددًا لطرق باب المجلسين «النواب والدولة» لإصدار هذه القوانين في حالة إذا ما أردنا أن يتم كل هذا في إطار الاتفاق السياسي، أو القيام بالخيار الثاني، وهو المطالبة بخروج المواطنين وقيامهم بالمطالبة بإسقاط المجلسين، وتولى الهيئة التأسيسية مهمة إصدار قانون الانتخابات والاستفتاء عليه، وهذا الأمر وإن كان سيحدث، فله وعليه الكثير من المحاذير، فعندما يكون نتيجة القيام بهذا العمل الخلاص من عقيلة والسويحلي، ومجلسي النواب والدولة، فإنه بالفعل ستكون سعادة لدى الشعب، غير أنه يجدر بنا تذكر السبع العجاف لتكوين فهم واضح لما سيحدث؛ إن مستقبل الشعب الليبي يواجه مشكلة بسبب المجلسين، فقد تشابكت المسائل وتعقدت لدرجة يصعب حلها.

وكذلك لا توجد أي ضمانات على ألا يكون رئيسا البرلمان ومجلس الشيوخ الجدد بمستوى سابقيهما نفسه، فعقيلة صالح لم يمارس أي دور له قبل عام 2014، إلا بيان العهد والمبايعة للقذافي، وكذلك نظيره السويحلي الذي كاد أن يخرج من المشهد السياسي الليبي في 2013، إلا أنه عاد بخدعة رخيصة والتي انطلت فعلًا على عقول الكثيرين من أعضاء المؤتمر، وهي أنه هو «المصراتي»، وهو الوحيد القادر على تنحي أبو سهمين وإخراجه من المؤتمر «مبنى القصور»، وبعد هذا يشتكون من تسلطه وجبروته، وهو الأمر ينطبق على عقيلة صالح الذي حاز ثقة النواب الذين رفضوا بعيره الفدرالي حسب حساباتهم لتلك اللحظة، فوقعوا فيمن هو أسوأ منه بعد أن ارتدى عقيلة أيام الانتخابات عباءة الوطنية، والتي تجرد منها في الأيام اللاحقة.

من ناحية أخرى، لو أن الانتخابات قد قامت فعلًا وأنها لاقت نجاحًا، ولكن بخسارة حفتر، فهل سيقبل هذا الأخير بهذه النتيجة؟ أم تكون شرارة اشعال فتيل فجر ليبيا «2» أو كرامة «2» وهذا حسب الفائز، فعلى الرغم من أن الدستور يتطلب استقالته من الجيش، فهل سيرجع إلى المؤسسة العسكرية من جديد في حالة عدم فوزه؟ وما الضامن لعدم قيامه بذلك؟ أيضًا في حال فوزه في الانتخابات، فهل سيكون هناك سلطات موازية لسلطته لكي تمنعه من الاستبداد بالقرار، لأنه بكل تأكيد سيصبح القائد الأوحد وبالقانون.

فكلنا نرى كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية تقاتل بمؤسساتها «وفقًا لمبدأ الفصل بين السلطات» استبداد الرئيس ترامب بوصفه رئيس السلطة التنفيذية مراقبًا ومقيدًا بأربع سلطات، الأولى التشريعية التي رفضت إسقاط الرعاية الصحية لسلفه أوباما، السلطة الثانية سلطة القضاء الذي أبطل العديد من قراراته، وثالثها هي سلطة الإعلام والتي تخوض معركة شرسة لتهاجم استبداده وقراراته العشوائية، أما السلطة الرابعة فهي سلطة المجتمع المدني وقوته الذي له الحق في الخروج في مظاهرات، والقيام بالاعتصامات والتعبير عن رأيه بكل حرية، بل حتى الجيش الذي يعد من ضمن السلطة التنفيذية يلوح برفض أوامر استعمال السلاح النووي واستخدام القوة المفرطة في كثير من الأحيان، في المقابل ماذا لدينا كضمانات لمواجهة هذا الاستبداد الحاد، فالانتخابات ليست هي الغاية التي نرجوها، بل هي الوسيلة للإجابة على السؤال «كيف سنحكم وفقًا لمبدئي التعددية والتداول السلمي للسلطة»، فإذا كانت الانتخابات عبارة عن مطية أو سرج للوصول إلى استبداد الفرد والعودة إلى الدولة العسكرية أكثر مما كانت عليه قبل2011، فهذا ناجم إما عن خلل دستوري، وهذا موجود بشكل كبير في مشروع الدستور الحالي المقدم من هيئة الدستور، وإما خلل مؤسساتي وهو ظاهر للعيان لغياب أي مؤسسات للدولة، أو وجود وعي وإيمان شعبي بالمسار الديمقراطي كما حصل في تركيا، عندما تصدى المواطنون للانقلاب العسكري، وهذا الأمر أيضًا غير متوفر في ليبيا حتى اللحظة لحداثة التجربة الديمقراطية، والفوضى التي أنهكت المواطن .

وفي إطار الحديث عن الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن نعرج على شفافية الانتخابات، فكما رأينا أنها تمت تحت تأثير المخابرات الروسية، إذ وُجه الرأي العام لصالح «ترامب»، كذلك هو الأمر عندنا لا يختلف كثيرًا، فالسخاء الإماراتي والقطري لم ولن يتوقف، فما تناقلته وسائل الاعلام بخصوص تحويلات مالية لحسابات حفتر وأبنائه من قبل سفير دولة الإمارات بواشنطن، وكذلك التحويلات القطرية لذراع الإسلام السياسي، والتي لا تخفى على أحد، كما يجب عدم إغفال القنوات الإعلامية الممولة قطريًا وإماراتيًا واختراق مواقع التواصل الاجتماعية بهذه الأموال.

ستكون الفترة التي تلي الانتخابات، طبعًا في حال نجاح الانتخابات، على النحو الآتي: الرئيس سيكون مقره في قصور الرئاسة في باب بن غشير، أي في حمى «المليشيا المسيطرة على جنوب طرابلس»، وتحت سطوته، أو إلى من سيسطر على هذا النطاق الجغرافي، أما الحكومة فهي في طريق السكة، تحت سيطرة «المليشيا المسيطرة على شمال طرابلس» ونفوذها، أما البرلمان ومجلس الشيوخ فهي في بنغازي ومن نصيب «مليشيا حفتر وأتباعه، كالورفلى»، وهكذا…، وكل ما في الأمر، فإنه لن تكاد تمر بضعة أشهر حتى يخضع الجميع للأمر الواقع، وإلى الحكومة الواقعية الفعلية التي تسيطر على الموقع الجغرافي الذي يمارس ضمنه الاختصاص وليس للحكومة الشرعية المنتخبة.

في الحقيقة، ليست هناك إجابات عن كل هذه الفرضيات، لهذا ربما تتشبه حالة الوضع الليبي بحالة الإنسان المريض بضعف في عضلة القلب، فيمنحه الطبيب دواء لتنظيم نبضات القلب «الانتخابات»، لكن إذا لم يمتنع عن التدخين «التأثير على إرادة الناخب»، والابتعاد عن الدهون «إنها المليشيات وتوحيد المؤسسة العسكرية وخضوعها للسلطة المدنية»، وتجنب الانفعالات «وعي السلطات الأربعة الأخرى والشعب»، فإن شبح الديكتاتورية يصبح قريبًا جدًّا، أو الاستمرار في فوضى المليشيات واللادولة، وهنا سيصاب الجسم «بالسكتة القلبية»، ويصبح الانتخاب بعدها انتحابًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد