من متابعاتي لما يكتبه بعض الكتاب، لفت انتباهي مقال يتحدث عن صدام حسين،لكاتبٍ لطالما استحسنتُ كتاباته واستفدتُ منها كثيرًا، جعلني أتوقف على نقاط كثيرة ذكرها في ذلك المقال. وكنت قد اعتدت ـ فيما سبق ـ سماع آراء إخوتنا من باقي الدول العربية عن حقبة صدام حسين، ويمتدحون كثيرًا سياساته وتصرفاته وصفاته الشخصية، وإضفاء كارزمية مبالغة عليه. ولم أكن أُناقشهم كثيرًا لكونِ آرائهم نابعة من عواطفهم وحبهم وشوقهم لرمز عربي يجعلهم يتفاخرون به، في زمن قلت فيه مثل هذه الرموز، فتخلوا بِذلك عن التقييم الموضوعي للأمور.

لا أنكر أني أوافقهم الرأي في كثيرٍ مما طرحوه، وأوافق رأي كاتب المقال فيما طرحه بمقاله، كما أني ألتمس لهم العذر في تلك العواطف المشحونة التي يبدونها، ذلك كونهم لم يعايشوا حقبة صدام حسين عن كثب، كما فعلنا نحن العراقيين، وإنما سمعوا بتجربته بالحكم من الاعلام أو ما تتناقله الألسن هنا أو هناك. تماماً مثلنا حين كنا ننظر إلى الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، نراه بعين الفخر كونه حارب إسرائيل ونادى بالوحدة العربية، ورفع اسم العرب عاليًا في السماء كما كنا نظن، وقد فوجئت مرة عندما تكلمت مع رجل مصري يعمل بالعراق وتَحدَّثَ لي عن حقبة عبد الناصر وما رافقها من أهوال بحق المصريين آنذاك، غيرت لي كثيرًا من القناعات التي بنيتُها بسبب الترويج الاعلامي وتشكيل القناعات عن بُعد.

أما عن سبب كتابتي لهذا المقال،ذلك أني أريد أن أرفع اللبس وأُصحح المعلومات لمن لم يعش تجربة صدام حسين من القراء والمتابعين؛ خشية إعادة إنتاج تلك التجربة مرة أُخرى.

ذكر الكاتب في مقالته ما يمكن تلخيصه: إنَّ عراق صدام حسن هو الذي تصدى للهجمة الخمينية التي كانت لا تقصد العراق فحسب، بل كل بلاد العرب، وقد كان حائط صد للأمة العربية تجاه تلك الهجمة، وإن إيران تعاونت مع أمريكا في سنة 2003م لإزاحة صدام واحتلال العراق؛ ليخلوا لها الجو لتعبث بالمنطقة، وذكر أيضًا، إنَّ أمريكا هي التي ورطت النظام العراقي بقيادة صدام لاحتلال الكويت، وإنَّ إسرائيل هي التي ضربت المفاعل العراقي الذي كان يبنيه سنة 1981م. وذكر أيضًا نموذجًا من الحقد الصفوي بحق صدام حسين، حينما أُعدِمَ بيد عملائها في أول أيام عيد الأضحى المبارك؛ نكاية فيه وفي كل العرب والمسلمين، وتحدث أيضًا عن نطقه للشهادة في آخر لحظة من حياته.

كلَّ ما ذكره كاتبنا هو حق، ولم يزد شيئًا على الواقع، بل توجد أمثلة أكثر  لم يتمكن الكاتب من إدراجها بمقالته؛ لكثرتها أو لعدم معرفته بها، ولكن لنرى ماذا تمثل تلك الأمثلة وماذا نخرج بها من حقائق إذا ما علمنا حقائق أُخرى قد فات على كاتبنا وعلى أكثر مثقفين العرب أن يعرفوه.

إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول” « إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل آمرأ ما نوى»، فأحيانًا يقوم رجل ما بعمل ما يكون في ظاهره من أعمال البر، وهو كذلك، ولكن نيته مختلفة، لا يقصد بها وجه الله، ومصدّقا بذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».

إنَّ تصدي صدام حسين للمخطط الإيراني الهادف لاحتلال العراق والسيطرة على البلدان العربية، لم يكن بنيَّة الدفاع عن دين الله وعقيدته الصحيحة، وإنما كان دفاعه موجهًا بشكل كامل من نظام حكمه العلماني، ومن نفسه شخصيًا، كونه يعلم أنَّ أول ما سيفكر به نظام الخميني لإتمام مخططه هو الإجهاز على نظام الحكم في العراق والاستبدال به نظامًا مواليًا له، والدليل: أنَّ نظام صدام حسين كان نظامًا علمانيًا شرسًا، وبعيدًا عن أي منهج إسلامي في طريقة حكمه، وقد بطش بالمسلمين بالعراق وأعدم العشرات من السنة، ناهيك عن الشيعة و الأكراد.

كان صدام يريد أن يسحق النظام الإيراني؛ ليس بسبب أطماعهم بالمنطقة، واختلاف أيدلوجيتهم معه فقط، إنما أيضاً للسيطرة على منطقة الخليج، وتقديم نفسه للقوى الغربية كشرطي مطيع لهم في الخليج.

والحال في إيران هو نفسه، إنها لم تكن تهدف من مقاتلتِها للنظام العراقي نصرةً للدين أو المذهب كما يدعون، أو لتحرير القدس كما يحلو لهم أن يُردِدوا كلمتهم الشهيرة: «طريق القدس يمر بكربلاء»، إنما لاستعادة أمجاد إمبراطورية فارس، ولتجعل المنطقة تدين لها بالولاء، دون منافسة من أحد، ذلك حتى لو اضطروا لتحقيق هدفهم هذا من التعاون مع الشيطان الأصغر كما يحلوا  لهم أن يسموه، والمقصود به «إسرائيل».

قد كان من أهم المنافسين لخططهم هذه، هو النظام العراقي. ولو كانت إيران تبتغي نصرة الدين من خلال حربها على العراق، لما سهَّلت احتلاله من قبل أمريكا.

أما عن توريط السفيرة الأمريكية لصدام بغزو الكويت، فإني أتساءل:  «لماذا لم يتحدث الكاتب عن توريط دول الخليج لصدام بحربه مع إيران»، وقد كان له مخارج كثيرة يتجنب فيها الصدام معها، ويجنب العراق محرقة استمرت طوال ثمانِ سنوات، لم يشارك العراق أحد في دفع ثمنها، بل دفع ثمنها الشعب العراقي وحده، من خيرة شبابه واقتصاده الذي سُخّر بالكامل للمجهود الحربي.

لقد شعرت دول الخليج بخطر شديد على أنظمتها، وإن الخميني جاد باستهدافهِ لها عاجلًا ذلك أم آجلًا، لذلك أرادت أن تقضي على النظام الإيراني، وهو لا يزال في طور تثبيت أركان حكمه، ولم تستقر جبهته الداخلية بعد. فلم تجد من تجنده ليدافع عنها غير صدام حسين الذي جاء للحكم بعد الخميني بأشهر قليلة واستغلوا طموحاته لكي يكون زعيم الأمة والقائد الأوحد، لتوريطه بهذه الحرب وتوريط شعب كامل من ورائه بحرب حرقت الأخضر واليابس، وقُتل فيها من شبابنا ما يقدر  أعدادهم بمئات الآلاف، ولم نجن منها خيرًا قط. وماذا كانت مكافئتنا من دول الخليج؟

مكافئتنا كانت أن ادعوا إن سعر حرائر العراق بـ 10 دنانير، في محاولة دنيئة من أراذل قومهم لتلويث أعراض العراقيين وفرض الذلة عليهم، والتي كانت أحد أهم أسباب غزو العراق للكويت، حيث لم يستوعب صدام أن تصل الدنائة ببعض العرب إلى الحد الذي تُتهم به أعراض العراقيين بهذه الطريقة التي لا تنم عن أصالة عربية أو إسلامية، وهو الذي خاض من أجل سلامة عروشِهم حربًا طيلة ثمانِ سنوات.

وأتساءل ثانيةً: «هل فاتكم أن تقرأو كيف تمت تنحية الرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر من الحكم لصالح صدام حسين؟ ومن بعدها قام صدام حسين بعد أن أصبح رئيساً بتصفية زملائه في قيادة حزب البعث الحاكم بالعراق بنسبة تفوق الـ 50% منهم بتهمة الانقلاب عليه». بعدها توالت عمليات التصفية وإبعاد رفاقه القدامى والاستبدال بهم أشخاصًا موالين له لا يخالفونه أمرًا، وتم تصفية كل الأحزاب الوطنية،وتحول لنظام الحزب الواحد،  ووزَّع المناصب الحساسة بالدولة على أهله وأقربائه، حتى جعل أراذِلَ قومهِ وعشيرته سادةً على أعزّاءِ بلادنا الحبيبة، كما يفعل أي دكتاتور بالضبط. ناهيك عن ممارسات عبادة الشخصية التي فرضها على شعبنا، كما فعلها من قبله ستالين وموسليني.

ذَكر الكاتب أنَّ صدام حسين نطق بالشهادة لحظة إعدامه، وبطريقة إيحائية، يقصد أنه وُفّقَ لحُسن الخاتمة، فأقول: إني لست عالمًا بالغيب، ولا أعلم كيف ستكون عاقبته، قد أفضى إلى ربه، وسيلاقي جزاء أعماله، إن كانت خيرًا أم غير ذلك، إن الذي نحتاجه هو تقييم تلك الحقبة من السنين؛ لنخرج منها بعبرٍ  تنفعنا لبناء مستقبل شعوبنا.

أحببت أن أزيد بأشياء لم يذكرها الكاتب في مقاله: فأقول: لقد كان العراق في عهد صدام حسين الأفضل على مستوى دول المنطقة، في التعليم والبحث العلمي، كما تم القضاء على الأميّة تمامًا،ولكن في نفس الوقت لم نسمع عن العراق تصنيعه لأشياء مدنية الاستخدام، تخدم المواطن، ولكن سمعنا كثيرًا عن اختراعات وصناعات للصواريخ وأسلحة حربية أُخرى عديدة، وربما يقول أحد: إنَّ هذا شيء جيد، فلا توجد دولة في العالم لا تبتغي تحصين بلدها ضد الاعتداءات الخارجية، وصون حدودها، إلا وراعت موضوع الاستقلال بالتسليح وبناء ترسانة حربية تردع الآخرين، فأقول: «نعم لو كانت تلك الأسلحة والمنتجات الحربية موجهة فعلًا لعدو البلد الأول إسرائيل»، لقد وجه أسلحته في مغامرات عبثية عديدة أنهكت البلاد وأفقدتها خواص قوتها، وكانت إسرائيل حينها تزيد نار الحرب إضرامًا لإطالة أمد الحرب مع إيران، ومن قبلها حربه مع الأكراد، وكلنا نعرف كيف كانت إسرائيل تزود إيران بالأسلحة لديمومة حربها على العراق، وكيف تعاونت مع الأكراد أيضًا لديمومة تمردهم في السبعينيات، ولم يتذكر صدام إسرائيل إلا بنهاية حرب الخليج الأولى فضربها بـ 49 صاروخ ما زلنا لحد الآن ندفع تعويضاتها لإسرائيل، بل ما زلنا ندفع التعويضات للكويت نتيجة غزوه لها.

لقد كان العراق يساعد بتلك الأسلحة التي ينتجها،أطرافًا مشبوهة في الحرب اللبنانية؛ ليزيد من لهيب تلك الحرب، وليصفي حساباته السياسية مع الآخرين بدماء لبنانية وفلسطينية.

يمكن للبعض أن يقول: إنَّ صدام هو من حافظ على وحدة التراب العراقي، والذين جاؤا من بعده، مزقوا العراق تمزيقا، بل سيحولونه إلى دويلات طائفية صغيرة متناحرة، فأقول: «نعم، إنَّ صدام قد حافظ على وحدة التراب العراقي، فلم يتمزق آبان حكمه»، ولكن شتان بين من يحافظ على وحدة البلاد، كالماسك على قنبلة يدوية سرعان ما تنفجر وتصبح أشلاء لحظة ارتخاء قبضتهِ عنها، وبين الذي يمسك بوحدة البلاد، كالقابض على زهرة جميلة يخشى عليها الاختطاف والإنكساربيد الآخرين.

لقد كانجُلَّ الموظفين المقربين لصدام والماسكين بأركان دولته كانوا من عائلتهأو من عشيرته الأقربين،الأمر الذي أضعف شعور المواطنة عند الكثير من العراقيين.

وربما سيقول أحدهم: «ولكن هذا ما يفعله الآن حكام بغداد حاليًا»، وأتفق معه أيضًا، لكن هؤلاء أقل قيمة من أن يقاس عليهم ويستشهد بتجربتهم. وهل فساد المفسدين الحاليين المتسلطين على رقابنا يبرر لنا ما اقترفه صدام بحق العراق والعراقيين بالسابق.

من كان السبب بمجيء الذين أعتلوا ظهور دبابات الاحتلال والذين يحكمون في بلدي الآن؟ من أعطى الفرصة المثالية لأمريكا ومن بعدها إيران لاحتلال بلدي؟ ومن جعل كرام بلدنا تحت الثرى بالقبور أو في بلدان المهجر يتجرعون ذل الغربة؟ بينما الأراذل ينهبون البلد ويسرقون ثرواته ويمزقون وحدته؟

ألم يكن هو السبب؟ ألم تكن حماقاته ومغامراته العسكرية والسياسية هي التي أوصلتنا لهذا الحال؟

ورُبَّما قال أحدهم: «إنَّ صدام حسين والعراق قد دفع ثمن الانفكاك والاستقلال من فلك الدول الغربية والتمرد عليها». فأقول ياليت الأمر كذلك، ذلك لعلمي إنَّ أية دولة تنوي الانفكاك عن منظومة الغرب لابد أنها ستُحارب. وهذا ما حدث فعلًا في العراق، فصدام حسين كان فعلًا يريد أن ينفكَّ عن الطوق الذي رسمهُ له الغرب، ولكن بسبب اعتماده على نفسه فقط، دون أن يستعين بالله أولًا، ثم بقدرات شعبه والثقة بهم ثانيًا وتوحيد صفه بإرساء العدالة الاجتماعية بينهم، أوكله الله إلى نفسهِ وجعلهُ وإيانا نواجه التحديات بمفردنا، دون معونةٍ من أحد. لقد أُخذنا بجريرة صدام ونظامه؛ لأن الله سبحانه  وتعالى  يقول: «واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة».

وأقول أخيرًا: «إني لأحزنُ كثيرًا عندما أسمع من يقول: إن صدام حسين هو القائد الذي خسرناه، والذي لم نر مثله، بشجاعته وتحديه للآخرين، ذلك لأن مردَّ هذا القول أنَّ شعوبنا العربية لم تُرزق بحاكم عادل قط، يحترق قلبه حرصًا على شعبه،ومنذ فترة ليست بالقصيرة، لذلك فهي تتشبث بمن فيه بعض الخصال الحسنة وتحاول أن تُضخمها لتجعلها عزاء لها في مصيبتها هذه.

إن الأمة التي أنجبت رجالًا عظامًا في تاريخها، لقادرة على إنجاب آخرين، ولكن فقط إذا ما أحسنّا البحث عن قدوات عظيمة نقدمها لأبنائنا ليحذون حذوهم، لا أن نقدم لأبنائنا صدام حسين وأمثاله كقدوات لهم.  نحن لم نخسر صدام حسين، ذلك لأننا لم نكسبه أصلًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد