قرّائي الأعزاء.. لعلكم تعْجبون من عودتي بعد هذه المدة من الانقطاع عن هذا الفضاء الرحب، لكن الحقيقة التي أريد أن أشاطرها معكم أنني كنت في عزلة نفسية رغمًا عن أنفي؛ فبعد نشري لعدة مقالات عن الوضع في سيناء، بعث إليَّ أحدهم برسالة فيها تهديد ووعيد وبضرورة التوقف عن الكتابة بخصوص الأوضاع في سيناء، فما كان منّي إلا أن ألبستُ نفسي رداء الحكمة، ولزمت الصمت وفي القلب غصةٌ تحرق النَّفْسَ والنّفّسَ. لكن هذه الحالة من التستر والكتمان والعيش تحت نيران الخوف وصوت الرصاص الذي لا يتوقف ليل نهار أمر لا يتحمله بشر مهما بلغت قوته. فلا شيء أكثر مرارةً وألمًا للإنسان من أن يعيش حياةً بلا روح. فنحن نعيش في سيناء كأرواح مجمدة ليس لنا أي رغبة في العيش، فقد فقدنا الأمل في أن تهدأ الأوضاع في تلك المنطقة القابعة في شرق مصر.

والحقيقة أن الوضع بانَ لكل ذي لبٍ؛ فلم يحقق الجيش المصري أي انتصار على الأرض ولم ينجح في القضاء على ما يسميه الإرهاب المتفشي في سيناء، بل الإرهاب ليس موجودًا أصلًا حتى ننتصر عليه، فالأمر أشبه بتمثيلية أو أكذوبة فهي لعبة حقيرة وراءها ما وراءها من الأهداف السياسية التي يهدف السيسي لتوريثها لأقرانه الصهاينة. لكن ما ذنبنا نحن أهل سيناء في هذا الصراع الدائر؟ ما الجريمة التي ارتكبناها حتى نعيش حالة من القهر والألم النفسي والبدني، فكل بيت سيناوي تقريبًا خسر قريبًا أو أخًا في هذه المعركة التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل. ما ذنب الأطفال يُحرمون من اللعب في الشارع أو النزول للتنزُّه؟ ما ذنب النساء اللاتي يخفن النزول لقضاء حوائجهن أو زيارة أهلهنّ؟ أليس من حق هؤلاء أن يعيشوا في أمان؟ أليس من حق الرجال أن يخرجوا إلى أعمالهم وأشغالهم آمنين على أهلهم وأرواحهم؟ فكل فرد سيناوي معرض للموت في أي وقت وما أكثر أسباب الموت في سيناء، يكفي فقط أن تخرج إلى عملك فستجد من يحنو عليك برصاصة تُخلِّصك من السؤال الذي يلح على عقلك: متى ينتهي هذا الصراع؟ متى تنتهي حرب الشوارع والعصابات التي يمارسها أفراد الجيش المصري في شوارع سيناء؟ فالجيش لا يعترف إلا بالجنود في سيناء هم فقط البشر والضحية والشهداء أما أهل سيناء فلا عزاء لهم.

Top of Form

ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، فالسيناوي تلاحقه أصابع الاتهام في كل مكان يذهب إليه، يوصف بالخيانة ويعامل بعنصرية في المصالح الحكومية ويُتهم بالإرهاب خاصة عندما تحتمُ عليه الظروف العيش في القاهرة أو التردد على المحافظات الأخرى، فهو الذي يقف وراء كل التفجيرات التي تحدث في سيناء هو سبب هذه النكبة وهو من خلق هذه الأزمة التي هو الوحيد التي يصطلي بنارها كل يوم، يا لحماقتكم!

أقول لك يا من تتهم أهل سيناء بالخيانة والإرهاب، فلتتشجع، يا عزيزي، وتأتِ للعيش وسط أهل سيناء ولو لأسبوع واحد فقط. فصدقني ستُهْلكَ روحك وتُمرَّغ كرامتك في التراب قبل أن تصل لوجهتك؛ لأن كرامتك – ببساطة – ستُهدر في عشرات الكمائن المنتشرة على طول الخط الدولي بين القنطرة والعريش. ستشعر، وبكل المعاني التي يُعبر عنها فعل الشعور، بكم المرارة والألم والقهر النفسي والبدني الذي يعانيه أهل سيناء يوميًا على الطريق. لذا نصيحتي لك أخي في المصير، لا تجلس أمام شاشة حاسوبك في أمان وراحة بال، ثم تكتب على حسابك في فيس بوك #لعنة الله على كل سيناوي#  #منهم لله البدو#، فأنت بذلك تكون قد جنيتَ على أكثر من مليون ونصف المليون إنسان يعيشون في سيناء. عزيزي – نحن أهل سيناء – لم نزرع الشوك يومًا ما، فتاريخنا صفحة بيضاء من التضحيات والبطولات قدّمناها كابرٌ عن كابر، وأجدادنا وتاريخنا مليء بالشهداء والأبطال الذين قدموا أرواحهم فداءَ للوطن، فدماؤنا حرة أبية، لا تقبل الذل ولا الهوان، ولو كانت تجري في دمائنا الخيانة، لخانَ جدُّنا الشيخ سالم الهرش في مؤتمر الحسنة عام 1976م عندما رفض تدويل سيناء وفصلها عن مصر. كان أمامه هذا الخيار، لكنه أبَى إلا أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه عندما رفض هذا الاقتراح، وقال كلمته للتاريخ: «سيناء مصرية مائة في المائة ولا نملك فيها شبرًا واحدًا يمكننا التفريط فيه». فمن أدام العيش في الظلام استصعب بصره النور، ومن أطال القعود، شقّ عليه القيام، ومن أطال الذّلة، استثقل العزة  ونحن قوم أعزنا الله، فلا نقبل الدنية لا في ديننا ولا دنيانا، ولن ترهبنا الزنّانة ولا المدفع ولا إف ب 16؛ لأننا ببساطة، لم نصنع الإرهاب أنتم من صنعتموه وجعلتم من سيناء محرقة لأبناء مصر وجنودها، فلعنة الله عليكم وعلى كل من فوّضكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد