قد تبدو للوهلة الأولى مجرَّد كلمات ساخرة كنَّا نغنِّيها خلسة أثناء تحيَّة العلم على السَّاعة السَّابعة والنصف صباحًا قبيل انطلاق الحصَّة الأولى. إلا أنَّ القليل من التَّأمُّل يجعل المرء يدرك أنّ هذه العبارة تجاوزت السّخرية وأفواه الصِّغار لتُجسَّد على أرض الواقع من طرف مردِّديها السَّابقين أنفسهم. فإن كان الـ«بشكوتو» في ذاته يمثِّل آنذاك المراد والمندوب، ولا قيمة – أمامه- لكلمات لا يفهمها الصغار كالوطن، هو اليوم رمز كل شيء يُتَّخذ مقصدًا يُقتتل في سبيله على حساب الوطنيَّة وأركانها.

كنت تحدثت سابقًا عن التُّونسيِّين من حيث وطنيَّتهم، واختزلت هذه العلاقة في عبارة «تونس: أين تنتصر الإيديولوجيّا على الوطنيَّة». ولمّا كانت المسألة على قدر من الأهمّية عليَّ، ارتأيت الكتابة مجدَّدًا في هذا الموضوع عسى أن تعيه أذن.

الإيديولوجيّات والمصالح الشخصيّة هي «بشكوتو» الكبار الذين يرون الموت في سبيل إعلائها أفضل درجة وأعظم أجرًا من الموت في سبيل وطن لم يمنحهم غير الجنسية، فلا يرون ضيرًا في موته ودماره طالما لا يكون الفوز حليف خصومهم الإيديولوجيين.

1- الصِّراعات الإيديولوجيّة وأثرها قديمًا

إنّ المتأمّل في تاريخ بلادنا يكاد يجزم أنّ الجرّ بهذا الوطن نحو الخراب سنّة كونيّة تتّبعها مختلف الطّوائف السياسيّة؛ كي لا ترى فوز أخرى حسدًا وغيظًا. تتبّع أثر هذه السنّة يعود بنا إلى أولى الجمهوريّات أي قرطاج. ألم يرفض مجلس الشّيوخ إمداد حنّبعل وجيشه بما يستحقّ وهو على أبواب روما لأسباب سياسيّة بحتة خوفًا من صعود نجم حنبعل على حسابهم، حتى أفلتْ نجومهم وإيّاه؟ ألم يتحالف ماسينيسا مع الرّومان واختار الفوضى والمجازر وتدمير قرطاج بالكامل من طرف حليفه على أن يرى ولو للحظة لذّة النّصر في عيون خصومه من الفينيقيين وعلى رأسهم مجددًا حنّبعل طمعًا في توسيع دائرة حكمه تحت غطاء الدعوة إلى الوحدة؟ ألم تشهد الأرض نفسها بعد سبعة قرون ونصف دمار أفريقيّة وجعلها أرضًا بورًا من طرف الكاهيّة – في ما يروى عنها – على أن ترى ظفر العرب الفاتحين بها حتى أثارت سخط شعبها؟ كذا وُرّثت هذه السّنة جيلًا بعد جيل حتى وصلتنا نحن في زمننا هذا على حالها لم تتغير لا شكلًا ولا مضمونًا. الإيديولوجيّات ومن خلفها الرّؤى السياسيّة المختلفة كانت تزكّي هذه الصراعات وتنفخ فيها، وتجليات ذلك اليوم كثيرة يخطئ محصوها، ولعلّ الدّعوات المستمرة لحل البرلمان – على ما فيه من تجاوزات – هي أبرزها.

2- الصّراعات الإيديولوجيّة وأثرها حديثًا

علمنا يقينًا فور إعلان نتائج الانتخابات التشريعيّة الأخيرة أنّ البرلمان الحالي سيشهد عدّة تحدّيات وصراعات نتيجة تركيبته المعقّدة وتوزيع عدد مقاعد كتله. لمسنا انعكاسات ذلك حين لم يوفّق في إحدى أولى مهامّه المتمثّلة في اختيار حكومة جديدة تصوّت لها الأغلبيّة المفروضة. صراع الإيديولوجيّات بين كتله بلغ أوجه على حساب المنفعة الوطنية في اعتقادي – كما أشرت في مقال سابق – في حرب رفض تمرير عدد من الاتّفاقيات الدّوليّة والإقليميّة والتي كانت ستنعكس مباشرة على الوضع الاقتصادي التونسي أساسًا. فالتّصويت لم يكن للمبادرات والاتّفاقيّات في ذاتها بل ضدّ من تبنّاها أو دعمها داخل المجلس وخارجه. لسان حالهم يقول طالما سينسب النّجاح لغيرنا وسيساهم في رفع شعبية هذا الغير على حسابنا، فالأولى إذن أن نرفض هذه المشروعات وشركاؤُنا، وليذهب الوطن إلى الجحيم. فمصالحنا الشخصية محفوظة ومضمونة في كل الأحوال، بل ما أتينا إلا لرفض مثل مشروعات القوانين هذه والتعلاّت جاهزة عديدة نسكت بها من أراد لومنا من قواعدنا فتقبلها دون تفكير، مرتكزين على كون الذّاكرة الجماعية لهؤلاء قصيرة المدى وسيعودون زحفًا إليهم.

ومن أقصى تجليات الأنانيّة وحب الذّات وتبجيلها على مصلحة الوطن – كما أشرت في كتابات سابقة – ادّعاء قبول الآخر المختلف زورًا حتى يظنّ ظانّ أنّ أولئك هم أحد الآباء الروحيّين للديمقراطية. فمتى تواجها نزع الطرف الأول قناعه وبدت البغضاء من أفواههم – وما تخفي صدورهم أكبر- فتراهم يسرعون إلى رفض كل ما تتفق عليه الأغلبية من الشعب، ويدعون بكل ما أوتوا من قوّة إلى فرض ما يرونه صالحًا قواعد وقيادات، فيثيرون نعرات الجاهلية كأنهم في نظام قبلي بحت. وما الدّعوات إلى إطاحة الحكومة، أو رئيس البرلمان، أو البرلمان نفسه إلا ترجمان ما كنت أشرح على أرض الواقع مستغلّين في ذلك الكمّ الهائل من الفوضى الذين أحدثوها هم أنفسهم وسذاجة قواعدهم الأشبه بالنكّوع. والنكّوع عندنا هو خروف كبير السن ضئيل الحجم يلزم دائمًا مؤخرة القطيع يتبعه أينما ذهبوا، وهو أول الضحايا عند كل خطر يداهم المجموعة.

إنّ الديمقراطية تعني قبول نتائج الصندوق مهما بدت ساذجة للبعض، أو تعكس قلة فطنة الناخبين عند البعض الآخر. يتناسى البعض أن تركيبة البرلمان الحالي ما هي إلا إنعكاس لتركيبة الشعب نفسه، المتميز بالتّنوّع والتّفاضل في المستويات الاجتماعيّة والفكريّة والثّقافيّة والسياسيّة. ينسون أنّ لكلٍّ هدفًا ومبتغى يسعى إليه من وراء ترشيحه لحزب أو ائتلاف انتخابي ما، فإن أخطأ في تقديره فالانتخابات القادمة وحدها هي الكفيلة بالإصلاح لا الانقلاب ولا الاعتصامات داخل المجلس ولا الدّعوات المتكرّرة إلى تغيير شكل الحكم أصلًا. ومن أراد أن يتجاوز الاختيار الشعبي ممثّلًا في البرلمان في دولة ديمقراطية مستغلًّا نفور الشعب منه واستنكاره لما يحدث تحت قبَّته سيخرج منه بإذن الله مذمومًا مدحورًا.

بعض الأطياف والمكوِّنات السياسيّة تعلم جيّدًا أنّ الشّعب التّونسي ما يزال شعبًا محافظًا في المجمل ويظهر ذلك في كلّ انتخابات تشريعيّة تقريبًا. و لمّا كان أولئك مفلسين فكريًّا ولا يحملون من الرّؤى الإصلاحيّة شيئا يغيّرون به هذا الواقع ويضمّون إليهم به أنصارًا التجئوا لترذيل الواقع نفسه حتى يمنعوا الشّعب التعبير الحق عن رأيه. إنّ من يدعو إلى إسناد الحقوق والحرّيات إلى أصحابها من الأقلّيّات، حريّ به أن لا يمنع الأغلبيّة منها لا أن يدعو صراحة إلى الزجّ بها إلى السّجون ومنعها من النّشاط السياسيّ. أكتب مقالي هذا وأنا أغمس «البشكوتو» في الشاي فأدعوكم للمثل حتى يذوب ونعراته ولا يبقى غير الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد