«حرام دي نعمة ربنا».

كلمة سمعها كل منا من والده ووالدته وكررها وتناقلتها الأجيال يومًا بعد يوم، حتى صارت العبارة تتردد بصورة يومية، ولكن للأسف دون أن ندرك المعنى الحقيقي لها، أو الهدف منها.

فللأسف، تعريف النعمة بالنسبة إلينا نسبي ومقترن بالقيمة، لا بالنعمة كمفهوم مجرد، سأضرب لكم مثالًا لتبسيط المعنى بدلًا من الدخول في جدل فلسفي.

لو أن أسرة مصرية انتهت من طعامها، وتبقى بعض اللحم أو الدجاج دون أن يأكله أحد، وحاول أحدهم أن يرميه في القمامة، فأن الرد الطبيعي من الأم: «حرام ترمي اللحمة.. دي نعمة ربنا».

سلوك جميل. لكن دعونا نلاحظ الكميات المهولة من الأرز والخبز والمعكرونة التي يتم رميها بصورة يومية دون أن يعترض أحد عليها، فقط لأنها من السلع الرخيصة، فلا مشكلة من وجهة نظر الكثيرين في إهدار مثل هذه المأكولات مع العلم أن ما يرمى منها من كميات يكون في الأغلب أضعاف مضاعفة مقارنة بالكميات التي يفترض رميها من اللحوم.

لذلك فيمكننا القول إن الأمر مرتبط معنا بالقيمة لا بالنعمة، فلو كانت اللحوم أرخص من الخضروات والخبز لكنا تخلينا عنها بسهولة، مع العلم أن القيمة الغذائية للخضروات على سبيل المثال أعلى من اللحوم.

شخصيًّا أرى ذلك في غاية الخطورة، فعلى سبيل المثال قد يراني البعض بخيلًا نظرًا لأنني عندما أقوم بالطهو أرفض رمي نصف بصلة، وأضعها في الثلاجة لاستخدامها في المرة المقبلة، مع العلم أن قيمتها لا تتجاوز الخمسة قروش، لكن الأمر بالنسبة لي غير مرتبط بقيمتها، فأنا لا أهتم بأن أتخلى عن مائة جنيه مثلًا، ولكنني أرفض التخلي عن نصف بصلة، فالأخيرة نعمة أما الأولى قيمة، والفارق كبير بين الاثنين.

أهمية النعمة تكمن في أنها هبة من الله، فربما تملك القيمة، ولكن ذلك لا يعني أنك تستطيع امتلاك النعمة، فمثلًا.. لو افترضنا حدوث جفاف أو حصار أو حرب في بلد ما، فإنك ربما تمتلك المال ولكنك لن تجد أرخص أنواع الطعام! فعندما حدثت مجاعة في مصر استمرت لسبع سنوات، وعرفت وقتها بالشدة المستنصرية زمن الخليفة الفاطمي المستنصر بدين الله، وذلك بسبب نقص منسوب النيل، قام المصريون بأكل القطط والكلاب، وكذلك بغلة الوزير، حتى أن المستنصر باع ممتلكاته وهاجر عدد كبير من المصريين إلى الشام والعراق، إلى الحد الذي وصل إلى بيع أحد الأحياء بأكمله مقابل «طبق» من الطعام، فسميت الحارة بحارة الطبق. وهو ما يجعلنا نتنبه إلى الفرق الكبير بين القيمة والنعمة.

دعونا ننظر إلى حاضرنا، ففي مصر فوجئنا مثلًا بسعر الليمون في فترة من الفترات يصل إلى 40 جنيهًا، وعجز الجميع عن شرائه، مع العلم أنه يباع عادة مقابل جنيهات معدودة، ولو أن سعر الليمون ثبت عند سعر الأربعين لرفضنا رميه في القمامة، والاستهانة به مثله مثل اللحوم أو غيرها.

احترام القيمة على حساب النعمة يعتبر أمرًا خطرًا على المجتمعات، فهو سلوك ينعكس على جميع مناحي الحياة، فنجد أننا نهدر المياه بصورة مبالغ فيها، فتجد أن جميع حراس العقارات يمضون وقت فراغهم في رش المياه وإهدارها على الأسفلت، بينما نجد موظف الحكومة يهدر في الورق لأنه رخيص الثمن أو أنه لا يدفع ثمنه، لكننا نتغافل أن كل هذه نعم، والنعمة قد تزول.

منذ أسابيع كنت أتحدث إلى الأستاذ الصحفي نبيل زكي عن تقدير النعمة، ضرب لي مثالًا بكيفية تقدير الشعب الفيتنامي للنعمة عندما كان يقوم بتغطية صحفية في العاصمة الفيتنامية هانوي، أثناء الحرب الأمريكية الفيتنامية، كان الأستاذ نبيل يقضي -مثل معظم الصحفيين- وقته مختبئًا في الملاجئ لحمايته من القصف الأمريكي، وفي إحدى المرات عندما كان يحضر أحد اجتماعات الحزب الشيوعي الفيتنامي، وكان يتناول الطعام في إحدى الحدائق، لم يستطع إنهاء طعامه وترك بعضا منه، فما كان من الفيتناميين إلا أن قالوا له إن القائد الفيتنامي الشهير «هو تشي منه» قد علمهم أن من لا يستطيع إنهاء طعامه فعليه أن يجمعه ويأخذه معه لأسرته، وبالفعل جمعوا الطعام المتبقي له في «كيس بلاستيكي» وعاد به إلى الملجأ الذي يقيم به؛ ليتعلم درسًا في تقدير النعمة.

لذلك يجب أن نتعلم نحن المصريون والعرب تقديس النعمة من الشعوب الأخرى، فما نعرفه عن تقديس النعمة هو تقديس للقيمة فقط، حتى إدراكنا للمفاهيم والقيم الإنسانية أصبح سطحيًّا بصورة كبيرة، فالمفهوم الحقيقي لعدم الإسراف يتلخص عندما مر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد