قال وينستون تشرتشل: “التاريخ يكتبه المنتصر”، وقد ثبت صحة ما قاله في أحيان كثيرة, يكفي مثلا أن تفتح الكتب المدرسية الحالية لتجد تاريخ الثورة قد زور رغم أن أغلب من شاركوا فيها مازالوا أحياء وفي ريعان الشباب! والسينما أداة قوية في كتابة التاريخ وفي العصور الأخيرة التي تفوقت فيها الصورة على النص.

أغلب الناس اليوم يفضلون مشاهدة فيلم تاريخي مدته ساعتان على قضاء أسابيع في قراءة قصة الحضارة لديورانت مثلا. المشكلة هي ما سينتج لاحقا من اقتصارهم على مشاهدة الفيلم كمصدر للتاريخ وتلك هي مشكلة فيلم American Sniper.

 

أميريكان1
منذ أيام قليلة حصل هذا الفيلم على جائزة أوسكار من أصل ست جوائز رشح لها, بالإضافة إلى تحقيقه أرباحًا تفوق الأفلام الأخرى.

ألا يدل هذا على قبول ما يطرحه الفيلم من تصور ﻷحداث العراق؟

يبدأ الفيلم بمشهد صادم حيث القناص كريس (برادلي كوبر) على سطح مبنى في العراق ينتظر خروج أحد الأشخاص من مبنى مجاور، ثم يجد طفلا عراقيا تعطيه أمه قنبلة ليلقيها على الدبابة الأمريكية التي تقترب، ويضغط كريس على الزناد ويتوقف المشهد هنا للحظات، ربما لرغبة المخرج كلينت إيستوود في وضع المشاهد داخل عقل وقلب شخصية كريس منذ البداية، فيقوم بعمل مشاهد استرجاع له منذ طفولته وتربيته المحافظة وتلقين والده له بعض المعاني التي ستشكل جزءًا مهمًا من وعيه فيما بعد، ومنعطفات كثيرة في حياته الشخصية والاجتماعية مثل إتقانه الصيد بالبندقية، وانضمامه للجيش تطوعًا بعد مشهد الحادي عشر من سبتمبر، وتدريباته العسكرية.

حتى يعود لنفس المشهد في محاولة بائسة لتبرير مشهد قنص الطفل، ثم قنص الأم التي تلتقط القنبلة بعد سقوط ابنها قتيلا لتحاول إلقاءها على الدبابة، فيقنصها هي أيضا في رسالة واضحة من الفيلم وهي أن قتل النساء والأطفال كان مبررا, لماذا؟

ﻷنه بمرور أحداث الفيلم سنجد الحديث كله حول أمر واحد.

أمريكا تعرضت لهجمات من تنظيم القاعدة، لذلك أمريكا ذهبت للعراق لتدافع عن نفسها! ألا يعد هذا تبسيطا واختزالا هائلا للوضع العراقي؟
أميريكان2
في الوثائقي Fahrenheit 9/11 وباستعراضه للعديد من الأدلة، يؤكد المخرج مايكل موور (الذي تعرض لنقد لاذع بسبب هجومه على هذا الفيلم) حقيقة ثابتة وهي أن العراق لم تتعرض للولايات المتحدة أبدا بسوء، وأن الحرب عليهم كذبة كبرى.

وهو ما ثبت صحته فيما بعد حين انكشفت كذبة “وجود أسلحة دمار شامل في العراق” أمام العالم أجمع.

ولكن الفيلم لا يتعرض ﻷي من هذا، بل ويعرض جملًا سريعة لأحد الجنود المعترضين على الحرب يرد عليها كريس واصفًا من يقاتلهم بالكلمة الإنجليزية “savages” وهي تعني المتوحشين أو الهمج، ولا يتغير هذا الوصف إطلاقا طوال هذا الفيلم، وتجد أحد زملائه المجندين بعد أن قص عليه كيف اشترى من أحد العراقيين شيئا لأسرته في أمريكا (وهو الأمر الذي يستنكره كريس بقوة) يتعرض لإصابة قاتلة في تلميح غير مباشر (ولا يبدو غير مقصود!) أن حتى من يحاول التعامل مع هؤلاء ببراجماتية سيُقتل؛ فهم لا يعرفون الرحمة!

لا يتغير إيقاع الفيلم أبدا مع تكرار مشاهد المداهمات لمنازل العراقيين بالقوة وإجبارهم على الركوع أرضًا لتفتيشهم كالمجرمين، بل حتى الشخص العراقي الوحيد الذي يقتحمون بيته ليستغلوا موقعه كنقطة مراقبة لبعض المشتبه فيهم ويتعامل معهم بلطف ويدعوهم إلى وليمة بمناسبة عيد الأضحى؛ يكتشف كريس أن لديه مخبأ سريًا للأسلحة ويطلب منه أن يدله على أحد قيادات القاعدة في العراق ويحاول قتله قبل أن يعاجله كريس بطلقة سريعة!

 

ربما اعتمد الفيلم على أن في الوقت الراهن هناك صراعات داخلية في المشهد العراقي واقتتال بين فصائل متعددة لكي يرسخ الصورة الذهنية في أن كل مسلح هو بالضرورة مجرم إرهابي.

ولكن التسطيح المضحك للمسألة وتحويلها إلى صراع بين الأخيار (أمريكا) والأشرار (القاعدة) يغفل حقائق مهمة عديدة، مثل هل بدأ الصراع حقا من طرف القاعدة ولم يكن لظهورها دوافع متعلقة بمظالم سياسية متعددة في العالم الإسلامي وعلى رأسها احتلال فلسطين وطغمة الديكتاتوريات العسكرية التي تحكم أغلب العالم الإسلامي بالحديد والنار؟

 

أميريكان3

ففي هذا السياق يكون مفهومًا من بدأ بالعدوان (والمفهوم لا يعني بالضرورة أنه مقبول) ومَن كان فعله سببًا في رد فعل مَن، كما ذكر الصحفي الألماني يورجن تودنهوفر في حواره الأخير على قناة الجزيرة حول أسباب ظهور تنظيم الدولة.

ثم كيف يتم اختزال كل من يقاتل ضد أمريكا في العراق إلى صدام حسين وقواته والقاعدة ومسلحيها فقط؟

إن الواقع العراقي معقد والمجتمع العراقي ثري للغاية، وإن التسطيح والاختزال يجعل كل من لم يقرأ ولم يتابع عن كثب يظن أن هذا لم يكن غزوًا ولا احتلالًا عسكريا! ولعل هذا فارق جوهري بين كلينت إيستوود وبين مخرج آخر، وهو ستانلي كوبريك مخرج فيلم Full Metal Jacket.

فكوبريك أظهر الجانب المظلم في الجيش الأمريكي ومدى فداحة الجرم الذي ارتكبه في حق مجنديه وفي الشعب الفيتنامي ولم يخجل كوبريك من إظهار مقاومتهم المسلحة للأمريكان.

أمر آخر ملفت وهو مشاهد قطع الرؤوس وإظهار العراقيين بمظهر الهمج المحتفظين برؤوس من يذبحونهم في ترسيخ آخر لفكرة الصراع بين الخير الأمريكي والشر الكامن في العراق! وهنا أيضا تعويل على أن من يشاهد متأثر بفيديوهات قطع الرؤوس التي يبثها تنظيم الدولة، فلا يستطيع المشاهد غير المتوثق من الأحداث والتفاصيل سوى التصديق التام بأن هذه طبيعة هؤلاء المتوحشين الهمج في العراق! وفي هذا تجاهل صارخ آخر لما فعلته أمريكا من جرائم في جوانتانمو وأبو غريب من أعمال تعذيب وحشية ساهمت في المشهد العراقي الحالي.

ويكفي مشاهدة وثائقي مثل Doctors Of The Dark Side لمعرفة بعضها.

من الملفت كيف أنه بعد مرور أكثر من عقد من الزمان على أحداث 11 سبتمبر لم يتغير الكثير في تفكير أغلب الأمريكيين. ففيلم كهذا يحقق كل هذا النجاح، بينما وثائقي يعرض قتل أمريكا للأبرياء بواسطة الطيارات بدون طيار كـ Dirty Wars أو فيلم Drones الدرامي عن نفس الموضوع يتم تجاهلهما.

ومن المؤسف أن أغلب الأمريكيين رغم كل ما يحدث من خراب للعالم نتيجة حكوماتهم، لازالوا يرفضون الاستماع ﻷصوات عقلائهم. فكم منهم يفضل الاستماع لمحاضرة نعوم تشومسكي أو قراءة كتاب لهاورد زين على الاستماع لأغنية جاستن بيبر أو تصفح مجلة بلايبوي الإباحية مثلا؟

وكم منهم يفضل القراءة لجون بيركنز عن الاغتيال الاقتصادي للأمم على القراءة عن إدمان ليندسي لوهان للمخدرات مثلا؟

وكم عدد من نزلوا في مظاهرات حركة احتلوا وول ستريت مقارنة بمن وقفوا في طوابير شراء الآيفون الجديد؟

 

هذا بخصوص الداخل الأمريكي، فتخيل مدى اهتمامهم بمقتل الأطفال الرضع في دوما أو سيناء! ليس غريبًا إذن أن لا تحظى حادثة مقتل المسلمين الثلاثة عندهم بنفس الاهتمام كحادثة تشارلي إيبدو.

وهنا لابد من التذكير بأن اللوم لا يقع عليهم وحدهم، فهناك في النصف الآخر من العالم من يتركهم يفعلون ما يشاؤون. فعلى سبيل المثال هناك فيلمان آخران رُشحا للأوسكار، أحدهما عن فيزيائي مشهور، والآخر (وهو مليء بالمغالطات التاريخية) عن عالم رياضيات، بينما في مصر لدينا عالم يفوقهما (علي مصطفي مشرفة) تم إنتاج مسلسل عنه ضعيف المستوى والمحتوى ويخاطب الداخل لا الخارج. فليس من المستغرب ما يحدث.

فكما يقول الشيخ محمد الغزالي: “نحن لا نلوم الآخرين على انتهاز الفرص لخدمة ما يعتقدون، ولكن ينبغي أن نلوم أنفسنا إذا تركنا فراغًا امتد فيه غيرنا. ومن ترك باب داره مفتوحًا فلا يلوم اللصوص”.

نحن إذن لا نزرع الإسلاموفوبيا، ولكننا لا نقاومها؛ بل ندعها تعمل ندعها تمر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد