صورة فوتوغرافية التقطها مصور عبقري أثناء تصور مشهد تمثيلي صامت مكون من خمس شخصيات  لمراحل عمرية مختلفة، تقف تلك الشخصيات في شكل دائري يرتدون زيًّا موحد اللون، حيث يمثل رجل أربعيني دور أب قاسٍ على طفله الذي لا يتجاوز السابعة من العمر، يجلس الطفل على كرسي حيث يقوم والده بتعنيفه بمنتهى القسوة، يقف خلف الطفل صبي يبلغ السادسة عشر تقريبًا، يليه شاب عشريني وآخر ثلاثيني يتحركون في شكل دائرة مغلقة، حيث يصل للجمهور المستهدف تدرج المراحل العمرية للطفل حتى يصل لمرحلة الأبوة ليخرج لكل ما غرسه والده بداخل من عنف وهو طفل ليزرع جزاء منه داخل ابنه الصغير، حتى تكتمل الدائرة المغلقة لتوليد العنف والإرهاب الممنهج، صورة رائعة تجعلني أنظر لها دائمًا وأتساءل كيف وصل هذا الفنان لاختصار نظرية العنف يولد عنف في لقطة واحدة من هذا المشهد.

يستدعيني ذهني لهذه الصورة العالقة داخله بعدما قرأت خبر إحالة الطفل محمد مجدي الذي يبلغ من العمر تسع سنوات إلى المحكمة العسكرية بتهمة تفجير محولات كهرباء هو وطفلين آخرين من بين 21 متهمًا في القضية رقم 1396 جنايات الفيوم، تقول والدته إنه في يونيو الماضي سبق واتهم زوجها مجدي محمد في ذات القضية هو وآخرون وتم إخلاء سبيله بكفالة، وفوجئت بعد ذلك بضم طفلها محمد والذي تم استبداله بعد ذلك بشقيقه عبد الرحمن الذي لم يتجاوز 14 عامًا ليتم التحقيق معه في ذات القضية.

مرة أخرى يتبادر إلى ذهني تلك المشهد التمثيلي عندما رأيت الطفل محمد في فيديو تداوله نشطاء على مواقع التواصل، يجلس على أريكته الحمراء ويشع من وجهه الملائكي نور براءة طفولة في حوار وهو يعرف نفسه “اسمي محمد مجدي في سنة الثالثة الابتدائية، وعندي تسع سنوات” ثم يضرب كفًا بكف وهو حزين وكأنه غمرته هموم السنين ويقول: “والله ماعرف أي حاجة ولا بتطلع مسيرات ولا بطلع أي حاجة ولا حرقت ولا دمرت أنا ذنبي ايه”.

نظرت إلى هذا المشهد بتمعن وأنا أتمحص صورة طفل في عمر الظهور لا حول له ولا قوة، وهو يحمل في يده دمية صفراء اللون، بعد الزج به في هذه القضية هو وأطفال آخرين، تخوفت على مصير هؤلاء الأطفال في المستقبل، لربما تتحول تلك البراءة لتطرف لما يقع عليهم من تنكيل.

انتابني الخوف أيضًا عندما قرأت عن الطفل أنس خميس سجين قسم شرطة سيدي جابر الذي تم اعتقاله عشوائيًّا في سبتمبر الماضي بتهمة التخريب وإتلاف المنشآت العامة، وهو يحاول الانتحار هربًا من الاعتداءات الجنسية عليه داخل الزنزانة من قبل المحتجزين الجنائيين، صورًا ومشاهد لقضايا نشء تجعلك تشعر بالخوف والذعر دائمًا على مستقبلهم ومستقبل دولة يقال إنها تسير في مرحلة بناء، فلمَ يتم تعنيف هؤلاء النشء، يبدو أن هذا المشهد التمثيلي والمشاهد الحقيقية السالف ذكرها تدل على أن العنف لا يجلب إلا عنفًا، وأن زرع العنف والتطرف داخل الأبناء يحصده الأحفاد ويدفع ضريبته الجميع في المستقبل.

نحن لا نزرع الإرهاب لكن – يبدو أن هناك من يصر على زرعه داخل النشء- أظن أن الإرهاب والتطرف مسئولية منظومة كاملة، بداية من تحطيم البنية الأساسية للأسرة، وغياب الوازع الإنساني مرورًا باهتراء مؤسسات الدولة وتحويل دورها من دور الأب الحنون إلى الأب القاسي على أبنائه، وانتشار الفساد والفقر والجهل، كلها مقدمات تؤدي إلى مزيد من التطرف والعنف والإرهاب.

تنظر للصور والمشاهد تستنتج بعد جهد من التأمل أن الإرهاب في دائرة مغلقة يصعب تفكيكها لأن ما زالت المنظومة كلها مصابة بخلل وعدم اتزان وعدم احترام آدمية الآخرين، وطالما الدولة لا تنظر لتلك الصور والمشاهد بشكل صحيح ومصرة على قمع وتعنيف النشء بشكل مؤسسي وممنهج، لا نجني إلا مزيدًا من الإرهاب والتطرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد