الأوضاع الاقتصادية والمالية والسياسية في إقليم كوردستان ليست وليدة اليوم  فحسب وليست أزمة عابرة  تنقضي هكذا وحدها مع الأيام! وليست نتاجًا وتحصيل حاصل لجانب من جوانب النقص أو الخطأ أو سوء تصرف من ناحية من النواحي، وإنما هي كارثة حلت بالإقليم وأردته إلى الحضيض وإلى درك منتهى المعاناة والمعضلات والمأساة، وكل ذلك ليس بسبب طارئ أو دخيل معين وإنما نتيجة بناء على أساس خاطئ من الأصل وما بني على خطأ فهو خطأ وهو آيل إلى السقوط لا محالة، وهذه سنة كونية في الوجود.

وفي هذه الحالات يجب أن نتساءل هل  تفيد الإصلاحات والترميمات؟ أم أن هناك معالجات أخرى يجب القيام بها والتخلي عن ترديد اسم المصطلح دون جدوى؟ فيحصل إثر ذلك أسئلة أخرى ألا وهي:

هل علينا أن نصلح من الفاسد الموجود لملء الثلم ورأب الصدع!؟ وهل تطبيق عمليات الترقيع والرتق على مثل هذه الحالات تفيد وتعالج الحالة إن تم تطبيقها بالفعل؟ وإن طبقت كم ستتحقق منها النتائج المرجوة!؟ أم أن البناء على درجة من الانهيار بحيث لا ينجده أي إصلاح وترميم، بل يجب الهدم من الأساس والبناء من جديد كما يفعل بالبيوت والأبنية القديمة المنهارة!

على أرض الواقع عندما يفلس شخص ما أو مؤسسة معينة فلن تفيد الإصلاحات لحل المشكلة وإنما يجب البدء من نقطة الصفر ببداية جديدة وبآلية جديدة وبرؤية أحدث وأجدى، فالإصلاحات في أي شيء قانون يكمن في ذاته وكذا التجديد، أي أن نرقع الثوب البالي بقطعة قماش جديدة يعني أننا استهزأنا بعقولنا وعقول وأبصار الآخرين.

في إقليم كوردستان كانت الإصلاحات ستفيد لتكون لها نتائج فعالة لو طبقت مع بداية 2004 إلى2007، حيث كانت بعض الأمور ما تزال محتفظة ببعض مقومات الاستمرارية والتفعيل.

أما وقد بدأنا من حيث انتهت تلك المرحلة دون أي تحديث أو تجديد أو إصلاح، بل بنينا بناءنا الحديث على رمم وثغور وتصدعات وشروخ ذلك البناء دون أي تعامل أو ترميم، فهذا والله لب الكارثة ومبدأ السقوط والانهيار كما نرى اليوم!

ولأن الأمور بدأت هكذا وانتهت إلى ما نحن عليه وأصبح الوجود المؤسسي موبوءًا، فلن يفيد الإصلاح كحل مهما قدمنا من جهود وعمل وعطاء، بل يكون بهدم الموجود وببناء يحفر له أساسًا جَديدًا بعمق مجد والبناء عليه بأحدث المواد وأجودها وأنظف الأيدي العاملة، بناءً رصينًا ثابتًا شامخًا لتخرج المؤسسات  الجديدة إلى الوجود بهيكل جديد وبناية جديدة وطاقم جديد ونظام جديد، وهذا هو العلاج الحقيقي والوصفة الفعالة.

والكلام هذا يمثل الواقع الذي لا مهرب منه ولا مناص وهو يمثل الحل الوحيد للكارثة التي يعيشها الإقليم اليوم، فأنوهُ إلى أن مقترحي ليس من باب نقد من شخص معارض أو كلام واحدٍ آخر مؤيد للحزب الحاكم أو آخر منحاز لجهة معينة، وإنما أتكلم بصفة من يشخص الداء لأنه مختص وملم بتلك المواضيع نتيجة دراساته فيحاول إيجاد علاج حقيقي يشفي المرض المستعصي، ثم على أصحاب القرار الحقيقيين اتخاذ اللازم بشكل سريع وحازم.

في مقالي السابق شرحت وبالتفصيل الوضع الاقتصادي لإقليم كوردستان بعد سنة2003  والوضع في الوقت الحاضر وتكلمت عن المستقبل القريب، والآن فإنني أشير إلى نقطة مهمة جدًا لكل من أصحاب القرار والمعارضة، وهي أن تكون هناك بِداية جديدة وبأسس قويمة وصحيحة والاستعجال في البدء فيها، واستبعاد التفكير بالإصلاحات؛ لأن هذا الموضوع نقطة فاصلة وحقيقية.

والتكلم في مواضيع مثل:

  1. الإصلاحات الجذرية.
  2. التوافق السياسي، وإنهاء الخلافات السياسية بين الأحزاب و خصوصًا الأحزاب الحاكمة مع المعارضة.
  3. القضاء على الفساد.
  4. سعر النفط.
  5. وجود داعش والاستقرار الأمني.
  6. استقرار العلاقة بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة المركزية.

كلها مواضيع مهمة وجذابة ولكنها تعتبر مسكنات وليست العلاج الحقيقي وبالتالي وفي نهاية الأمر لن نجد غير السراب، فكلها كلمات رنانة تستخدم في الإعلام ويتناولها  بعض المحللين والخبراء الاقتصاديين دون أن يساهموا في إيجاد الحلول المجدية الحقيقية!

 

حتمية بناء هيكل نظام الحكومة والاقتصاد:

قد يكون عندي تصور لهذا النظام الجديد، ولكني هنا لست بصدد شرح أو تقديم تفصيل له، وإنما فقط الهدف منه بيان؛ أن الوضع لا يتم إنقاذه من خلال إصلاحات وإنما من خلال بناء نظام جديد من الصفر أي حتمية بناء هيكلة النظام – الحكومة والاقتصاد-  ويتم ذلك من خلال مجموعة من علماء وخبراء حقيقيين خارج صندوق الإقليم.

  1.  قبل كل شيء يجب أن يبت أصحاب الشأن – خصوصًا المنفذون الكبار – على الاتفاق على هذا الأمر، وعليهم اتخاذ القرار بشكل طارئ وحازم وجدي.
  2. بعد ذلك يتم تكليف مجلس مصغر جدا لبناء نظام اقتصادي و مالي و حكومي، ونظام لمراقبة تطبيق هذا النظام.
  3.  من أهم الأسس التي يجب أن يعتمد عليها النظام هو بناء حكومة ذكية لها بنية تحتية قوية.
  4. وأيضًا من أهم مبادئ تطبيق النظام الجديد هو توظيف عدد مثالي فقط والذي لا يتجاوز 60000 موظف للحكومة ماعدا أعداد البيشمركة، أو ألا يتجاوز كحد أقصى 300000 يمثل جميع الموظفين، من ضمنها بيشمركة والشرطة والأمن والمخابرات، وإحالة جميع بقية الموظفين إلى ملكية وزارة العمل وإنشاء آلية خطة لكيفية إعادة توظيفهم في القطاع الخاص والقطاع المختلط ولكن تقوم الحكومة بتكفلهم لحين إيجادهم فرص عمل أخرى.
  5. وجوب تخصيص راتب تقاعدي مجز بدون أي تمييز لكل الموظفين، سواء في القطاع الخاص أم القطاع العام.
  6. عدم التهاون مع من يعبث بتطبيق النظام ومع من مجرد أن يحاول التقرب من بوتقة الفساد ومن أي شخص كان.

 

الخلاصة:

إن الحقيقة التي نعيشها هي أننا  في وضع كارثي، هذا هو واقع حالنا شئنا أم أبينا ومع ذلك لن يفيد:

  1. صراخ المعارضة و لا هتافاتهم و لا كلامهم في الإعلام ليلاً ونهارًا فكل هذا عديم الفائدة.
  2. عمليًا لن تفيدنا أية خطط ومصطلحات رنانة من التي نسمعها في الإعلام من قبل الخبراء أو المعارضة أو الاقتصاديين لأن مربط الفرس ليست بيدهم ولا يتكلمون في أصل الحل.
  3. و لن يفيدنا عمليًا مطالبة بتغيير الأشخاص والرموز أو الأحزاب.

ولست في موقع مدافع أو معارض أو مع أو ضد طرف ما، ولكن أهم شيء هو الخروج بسلامة من هذه الكارثة وأن نجتاز مراحل الخطر ونصل بأنفسنا ومسارنا إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة بل نتمنى الوصول إلى الأحسن مما وصلوا إليه.

ولأجل كل هذا التغيير علينا أن نبني بناء المخلصين والحكماء والأقوياء بتطبيق نظام جديد لديه مناعة ذاتية وقدرة الاجتياز إلى حيث بر الأمان، ونحتاج من أجل ذلك إلى زمن أمده خمس سنوات فقط لكي نجد أنفسنا في الطرف المقابل، حيث المستقبل المشرق لكل من يعيش في إقليمنا الحبيب.

إذن نحن لا نحتاج إلى الإصلاح وإنما إلى بناء جديد والبدء من الصفر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد