سوريا كانت الأم التي تحتضن جميع من هم بحاجة لها، جميع من يطلب مساعدتها لتمد له يد العون، سوريا آوت جميع من لجأ إليها ولم تعده لاجئًا أو زائرًا، بل عدته طفلها المدلل، لم تغلق حدودها في وجه أحد، ولم تبن جدارًا يعزلها، ولم تضع شروطًا وعوائق أمام أي شخص وأي بلد، ولم تبن لهم مخيمات لجوء، ولم تستغل ظروفهم وحاجتهم، بل على العكس عدته ابن بلدها، وفتحت لهم المدارس، والمنازل، والمشاغل، سوريا كانت مطلب الزائرين والسائحين لجمال طبيعتها، وكرم أهلها، ونقاء هوائها، وشموخ قلاعها وآثارها، ولكنها اليوم منهكة، ومتعبة، ووحيدة، تتآمر عليها جميع الدول العربية قبل الغربية.

فمن آوى اللاجئين بالأمس، والآن ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن قرية الى أخرى، متمسكين بالأرض والعرض السوريين «المدنيين»، ينتقلون ضمن أراضي بلدهم هربًا من الموت؛ ليجدوا أنفسهم يموتون ألف مرة باليوم، منزل مهدوم، موت، وترك الأرض موت، وفقد عزيز موت.

معظم السوريين فضل الانتقال بين المدن السورية للبحث بالدرجة الأولى عن الأمان، بعيدًا عن الاستقرار، ولكنه فضل العناء بأرضه على أن يتركها ويذهب خارج حدودها.

تعود السوريون على حمل ما يلزمهم من متاعهم وعذابهم، وربما مرضهم وإعاقتهم، التي تسبب لها القصف العشوائي والهمجي، منهم من عد نفسه كالأسماك إن خرج من سوريا سيختنق ويموت؛ لذلك أخذوا بالانتقال من منطقة محررة إلى أخرى، وظروف أغلبهم لا تساعدهم على الإيجار والاستمرار، فأجبروا على الاعتياد على عيش الخيم، لنرى الآن أطراف الشوارع مليئة بالخيم والأراضي الزراعية كذلك، ليتحملوا شتاءهم البارد وصيفهم الحارق، وعدا ذلك أخذوا بالتضييق عليهم، فلم يبق لهم إلا القليل من مناطق ليسكنوها لتصبح إدلب وأجزاء من أرياف حلب مسكنًا لهم؛ فجميع من تهجر قسرًا أو نزح هربًا سكن هذه المناطق، هذا هو النزوح الداخلي للسوريين الذين تمسكوا بالبقاء على أرضهم.

أما النزوح الخارجي، فلم يكن بالبعيد البعيد عن سوريا على حدودها مع الدول المجاورة، الدول التي فتح أغلبها أبوابها وحدودها في بداية الحرب للسوريين، ولكن بعد العام السابع للثورة أخذوا بوضع الحدود، وبناء الجدران، واستخدام القصف العشوائي على النازحين عشوائيًّا، ووضع الشروط المناسبة لهم لاستقبال النازحين، بعيدًا عن أسباب النزوح التي أجبرت السوري على ترك بلاده، ليتحكم هؤلاء الأشخاص بمصيره، لا نجزم ونشمل جميع الدول العربية، القليل القليل من عامل السوريين بكرم أخلاقه، وما تبقى كان نزوح السوريين مكسبًا له.

لبنان

أخذ محافظ بعلبك بشير الخضر قرارًا بمنع السوريين من التجول في بلدتي البقاع ورأس العين، ومنع التجمعات، والتنقل بالدراجات النارية، وتوقيف السوريين وترحيل وإجبارهم على تنظيف الشوارع.

كما تمارس قوات الأمن اللبناني الاعتقال التعسفي بحق السوريين في عرسال، طرابلس، بيروت، الأمر الذي انعكس على حياة السوريين الاقتصادية والاجتماعية.

تقول الباحثة في شؤون اللاجئين السوريين «خيرونيسا دهال»: هناك قلق تجاه التقارير التي تتحدث عن انتهاكات وإساءة جسدية يتعرض لها اللاجئون السوريون، ومنها توقيف عشوائي، وإخلاء بالقوة للمخيمات.

«نبيل الحلبي» محامي لبناني: استمرار مواقف العنصرية تجاه السوريين يدل على عدم وجود دولة في لبنان، وعلى الفوضى، حيث لا يوجد رادع لحماية الضعفاء أيًّا كانت جنسيتهم، حتى لو كانوا لبنانين ضعفاء.

والأطفال لهم أكبر حصة من المعاملة السيئة ومنهم «أيهم المجذوب» ذو الأربعة عشر عامًا أشعل به اللبنانيون النار، وأصيب الطفل بتشوهات كبيرة في وجهه وجسده، ونقل إلى المشفى.

لا ينفي وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعي وجود عنصرية لبنانية في التعامل مع اللاجئين السوريين، في حين اعترف أن في حرب لبنان سوريا احتضنت اللبنانيين، والآن لبنان يعامل السوريين بعنصرية واستغلال، وحزب الله اللبناني يقاتل إلى جانب النظام، ولو كان حريصًا في الأصل على السوريين وعلى بقائهم في أرضهم لما كان ساهم في حملات التهجير في دمشق ومحيطها ومناطق أخرى، من أجل تغير طبيعة العاصمة السورية، فمن حرص على لبنان، ومن يدعي محاربة الإرهاب، لا يفعل كل شيء من أجل تغطية الجرائم التي يرتكبها نظام أخذ على عاتقه في كل الوقت إذلال السوريين، وإرهابهم، وتهجيرهم.

الأردن

حولت الأردن النازحين السوريين إلى السكن في المخيمات، وبوابة جيدة للتسول لخزينة الدولة، لا لإنسانيتهم وفتح معابر لهم عن طريق الصحراء، بعيدًا عن شبكة الطرق، الأمر الذي جعل رحلة اللاجئين السوريين أصعب. وبناء مخيمات في صحراء الأردن «الزعتري» الذي اشتهر بإذلاله للسوريين واستغلال ظروفهم ونسائهم.

في ،2017 رحلت الأردن اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ضمن ظروف غامضة، ولا يعرف إلا القليل عن ظروف عودتهم.

هيومن رايتس ووتشن تدعو الأردن إلى حظر الاضطهاد والتعذيب الشديد، وانتهاكات لحقوق الإنسان، ودعا إلى وقف الإبعاد الجماعي للاجئين السوريين.

السعودية

ضج الإعلام بصور العالقين على الحدود، وفي محطات القطار، وصورة الطفل آلان الكردي ذي السنوات الثلاث الذي لفظه البحر المتوسط ميتًا على سواحل تركيا، شجعت على تعالي الأصوات للمطالبة بتقديم المزيد لمساعدة أولئك الفارين من الحرب، وركز الغضب على دول مجلس التعاون الخليجي.

السعودية، والبحرين، والكويت، وقطر، وسلطنة عمان، ودولة الإمارات التي أبقت أبوابها موصدة تمامًا أمام اللاجئين؛ فدول الخليج لم تقف إلى جانب اللاجئين، ولم تفعل لهم شيئًا.

السعودية استقبلت 500 ألف لاجئ سوري على أنهم عمالة مهاجرة في المقام الأول، ولم يكن هناك أي سياسة واضحة لإيجاد مأوى للاجئين الذين يتوافدون بصورة جماعية، دون كفيل أو تصاريح عمل.

في عام 2012، بدأت الحرب مع الأسد تبرز إبرازًا أوضح المنافسة الموجودة بين المصالح الخليجية من أن السوريين الموالين للأسد سيعودون للتسلل للخليج للانتقام، وبدأت بصورة عاجلة عمليات التدقيق وفحص المسافرين السوريين إلى الخليج.

عدد المواطنين في الإمارات وقطر يزيد قليلاً عن 10% من السكان المقيمين، الغالبية العظمى من السكان هم من العمالة الاقتصادية، ويسمح للاجئين بالإقامة إذا كان فقط لديهم أو لدى أزواجهم وظائف دوام كامل، وليس هناك إمكانية أن يبقى دائمًا بدون عمل، وقد ينتهي عقد عملهم ويعود المهاجرون إلى بلدهم، وعدت هذه الدول نفسها بأنها غير مرغمة على التعامل مع أزمة اللاجئين؛ كونها لم توقع الاتفاقية الدولية الخاصة بهم، إلا أنها قدمت الملايين من الدولارات للاجئين.

العراق

من المفاجئ أن العراق يلجأ إليها 250 ألف لاجئ سوري، يتركزون شمال العراق في أربيل ودهوك و40% بالمخيمات على الحدود، مع أننا نعلم أن سكان العراق يلجؤون إلى النزوح، ولكن هذا يعني بأن القصف العشوائي والدائم على سوريا أسوأ من وضع العراق.

مصر

هناك 120 ألف لاجئ سوري اندمجوا مع المجتمع المضيف، وساهموا في تنشيط الدورة الاقتصادية، ولم تبن مصر أي مخيم للاجئين.

تركيا

كانت المقصد الأول للسوريين، ومن الدول التي رحبت بوجود السوريين على أراضيها، يقدر عدد اللاجئين السوريين بنحو ثلاثة ملايين لاجئ، يتوزع معظمهم بالمدن الرئيسية الكبرى، في حين يقيم 15% منهم في مخيمات على الحدود مع سوريا، بالرغم من مساعدتها ووقوفها إلى جانب الشعب السوري، فإنها بنت الجدار العازل للحدود، وتقوم بضرب الرصاص الحي على الهاربين من القصف إلى تركيا، ورفضت مؤخرًا استقبال الأهالي المهجرين من ريف حمص، وشغلت الشباب السوريين في مشاغلها، إلا أنها كانت تستغل اللاجئين وتعطيهم أجر عمل بسيط مقابل ساعات دوام طويلة.

السوريون ينتقلون ويلجؤون للبحث عن الأمن والأمان، وليس عن العنصرية والاستغلال، ويعملون بعزة وكرامة لا منافسة وانتقام، ولا بد للحق أن يعود وصاحب الأرض مردود، وستزدهر سوريا بالسوريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد