الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

توالت الأمم عبر التاريخ وتعاقبت، ومنها الذي يتعرض لضربات وصدمات، والأمم قد تتعرض للجوع وتصمد وقد تتعرض للفقر وتصمد، وقد تعوزها الحوجة للبنيان والإعمار وتتجاوز الحوجة أو تتعامل معها، ولكن الأمم تموت بموت هويتها وانتمائها وعقيدتها، لأن هذا هو العمود الفقري الذي يتأسس عليه كل شيء فبه يُصاغ المنهج وبه تُسن القوانين والتشريعات وإليه يتحاكم الأفراد وعلى أساسه تتم التعاملات، لذا تجد الأمم المعمرة في الأرض تحرص أولًا على هذا العمود الفقري وتحصنه من أي تدخل خارجي أو تطفل.

ولذلك تعرض إرثنا المعرفي والعقائدي لمحاولات تزويره وتحريفه كثيرًا على مر التاريخ، ولكن كان هناك جنود يقظة حما بها الله هذا الإرث الذي جعل أمتنا في الطليعة طوال قرون عدة، وما زال الأمر مستمرًا ولكن مع اختلاف وهو أن الضربة التي نتعرض لها لا تأتينا من الخارج، ولكن من الطابور الخامس الذي يقوم بدوره متطوعًا لا يأخذ مقابلًا، ولنكون دقيقين أكثر هو يحسب نفسه يأخذ مقابلًا لمجهوداته الجبارة في تكسير عمودها الفقري من داخل جسد الأمة.

جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة) ومعنى كلمة عروة: ما يُستمسك به الشيء أو يدعّمه، ليس هذا المجال لشرح الحديث أو التفصيل فيه ولكن من خلاله نتصور المسار الذي تأخذه عملية الهدم بدايةً من الأمور الخلافية ثم الراجحة ثم الأكثر رجاحة ثم الغالب عليها الظن ثم الأقوى والأرسخ دليلها وصولًا إلى الثوابت التي لا خلاف عليها، ليقوم هذا الطابور الخامس الذي يتحول فيما بعد إلى فيروس بنهش جسد الأمة حتى تتحول فيما بعد إلى ما يشبه الماشية التي تحتاج إلى راعٍ ليوجهها ويسوقها إلى مرعاها ثم يعيدها إلى الحظيرة بنهاية اليوم لا تأبه أيًا منها لما يحدث لأختها.

هذا الفيروس لن يقف عند المنازعة ضد هوية الأمة وثوابتها الدينية والأخلاقية فحسب، بل وسيتجاوز إلى قتل كراهية الإنسان الفطرية للظلم وتعطشه للحرية ورفض القمع واستخدام آلة القتل وارتكاب المجازر، ولنتأمل التطور الذي حصل من طور التقاعس عن دعم المقاومة الفلسطينية التي قادها عبد القادر الحسيني رحمه الله إلى طور التصريح بخيارين: قبول المساومة على القضية الفلسطينية أو الصمت.

إنه الفيروس الذي منع الأمة من الوقوف في حلف واحد ضد قرار الأمم المتحدة عام 47 والذي بموجبه تمت القسمة المجحفة في حق الشعب وفي حق الأمة بأسرها، وللمفارقة فإن الكيان الصهيوني أيضًا لم يقبل هذا القرار، ولكن الكيان تحرك ضده واحتل مناطق ومدن خارج خارطة التقسيم الذي أقرتها الأمم المتحدة وارتكب المذابح وشرّد الملايين من الفلسطينيين، ولما تم تكوين الجيش العربي الموّحد قام الفيروس بإثنائه عن القيام بمسؤوليته ولم يقم حتى بدعم المقاومة التي كانت في الميدان منذ حراك الشيخ عز الدين القسّام رحمه الله ضد الاحتلال.

كما هو حال الفيروس الحقيقي الذي يمكن أن يُضعف رجلًا ذا بنية جسمانية متينة وقوة بدنية عالية بحيث لو أراد شخص صغير لطرحه أرضًا ولما نهض، تحالفت مصر وسوريا والأردن ضد إسرائيل في حرب الأيام الست عام 67 والتي عُرفت بالنكسة دخل التحالف الثلاثي بقوة عسكرية تقارب ضعف القوة العسكرية لإسرائيل، ولكن ذلك لم يشفع للتحالف من أن يتلقى هزيمة مريرة ما زالت فلسطين والأمة بأسرها تعاني آثارها إلى الآن، فالكيان الصهيوني الذي استولى عام 48 على أكثر من 20 ألف كيلومتر مربع أصبح بحوزته عام 67 أكثر من 69 ألف كيلومتر مربع لم يعد منها شيء يذكر حتى بعد معركة 73.

ولأن الفيروس لا يترك جزءًا صحيحًا في الجسد، فقد واصل أداءه إلى أن وصل الأمر إلى اتفاقية أوسلو والتي بموجبها تم الإقرار بحيازة الكيان الصهيوني 78% من أرض فلسطين بعد أن تقرر له حيازة 57.7% من الأرض، أما الطرف الثاني من الاتفاقية وهو منظمة التحرير الفلسطينية فقد تقرر أن يتم حذف البنود التي تدعو للمقاومة المسلحة ضد المحتل الصهيوني الذي خرق القرار الدولي الأول، والذي كان مجحفًا بالأساس لأن هذه البنود تدعو للـ«الإرهاب والعنف» وتقرر إرجاء التسوية في قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات لما بعد ثلاث سنوات من حينه، وبينما نحن إلى الآن ننتظر إنقضاء السنوات الثلاثة التي لم يوضحوا لنا أنها سنوات ضوئية وليست السنوات التي نعرفها يزداد انتشار القوات المحتلة في القدس الشريف ويزداد عدد المستوطنات، وتظل قضية اللاجئين كما هي دون حل أو تتعقد أكثر.

بعد هذه العقود المتخمة بالنكسات والهزائم والتي يعلم الله وحده متى تنتهي لم يبق لنا سوى تعاطفنا مع الفلسطينيين ونحن نراهم يعانون من ويلات وعذابات الاحتلال الظالم وأن نرفع الأكف إلى المولى عز وجل بأن يحل فرجه عليهم وأن يشد من أزرهم وينصرهم على عدونا وعدوهم، ولكن يأبى الفيروس إلا أن يتجلى لنا في صورة مثقفين وكتّاب ومنظرين وحتى قادة ووزراء يريدون القضاء على هذا التعاطف والمناصرة المعنوية والتي هي أضعف الإيمان ووأدها إلى الأبد.

يريد هؤلاء حشد ما تبقى من ضمير ضد عدو غير موجود يسمونه إيران، والترسيخ لفكرة أن إيران هي الخطر الأكبر وليس إسرائيل التي يعدون كراهيتها كراهية تقليدية ليس لها أصل واضح ومبرر، وقد تفنن هؤلاء في التسويق لبضاعتهم المزجاة فيقول أحدهم:

إسرائيل دولة غاصبة نعم، محتلة نعم، ولكن هذا لا يمنع أن نفهم الأمور بمنطق الدولة، هي دولة واقعًا وإن كرهنا ذلك، وبهذا المنطق نستطيع أن نفهم سلوكها وفق منطق الدولة، كفانا تهربًا من مواجهة الواقع، ففي النهاية فإن الأكفأ حضاريًا هو المنتصر، ولندع خزعبلات يا ويلك ياللي تعادينا يا ويلك ويل.

ويقول أيضًا: نعادي إسرائيل لأنها إسرائيل وليس لخطرها. ربينا على ذلك وكذلك ربوا هم على ذلك فكان الحاجز النفسي بين الطرفين، الخطر الحقيقي اليوم في الخليج هو إيران، ولكن غشاوة الحقد التقليدي على إسرائيل تمنع تبين هذه الحقيقة، سيقال متصهين، ليكن، ولكن صهينة من أجل بلدي خير من قومجية أوردتنا المهالك.

ومع مستوى فساد بضاعتهم العالي جدًا كان خطابهم التسويقي يبعد أكثر عن أسس المنطق والتفكير السوي، فهذا يفصل بين إسرائيل وبين خطرها بطريقة عجيبة ويؤسس لمنطق أنه يمكنك أن تكوّن دولة تنال الاعتراف حتى لو أخذت هذه الأرض بالقوة وقتلت أهلها وأبدتهم وتجاوز كل العداوة اليهودية الأزلية للعرب وللمسلمين والتي ذكرها الله تعالى في القرآن وأصّل لها اليهود في كتبهم وعنصريتهم وغيرها ليجعل كرهنا لليهود مجرد «حقد تقليدي».

وهذا آخر يجعل التعاطف وكأنه كومة كبيرة من الدقيق تقسمها وتوزعها وتحدد المستفيد منها بحسب الحوجة بقوله: الموقف مع إيران لو أنها ساندت الفلسطينيين، مع إسرائيل عندما تضرب قوات إيران في سوريا، مع الفلسطينيين عندما تعتدي عليهم إسرائيل، مع حزب الله اللبناني الإيراني عندما كان يقول إنه يحرر لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، مع إسرائيل عندما تضرب قوات حزب الله عندما استهدفت اللبنانيين وعندما شاركت في قتل السوريين.

أما هذا فيبدو أنه يخوض مع الخائضين مع أنه يعرّف نفسه على أنه كاتب صحفي يقول: لو ضربت إسرائيل إيران في عقر دارها، سأقف مع إسرائيل بعقلي ووجداني، فعدونا الأول هو إيران لا إسرائيل، ويجب أن يعرف عرب الشمال هذه الحقيقة.

هذا الخطاب التعبوي ضد إيران تكذّبه سياسة دولتهم الخارجية التي كانت تخدم إيران أكثر من أي شيء آخر، فدولتهم لم تفعل شيء تجاه تمدد إيران في سوريا والعراق ولبنان وفي الوقت الذي كان من المفترض أن تفعل فيه شيء تجاه التمدد الحوثي في اليمن قررت محاربة الإخوان المسلمين ودعم نظام الانقلاب الذي نكل بهم، حتى وجدنا الحوثيون قد استولوا على شمال اليمن وبسطوا هيمنتهم، وحتى تحالفهم المتأخر ضد الحوثيين لم يحقق أي إنجاز يُذكر على عكس الحوثيين الذين وصلت صواريخهم بعد ثلاث سنوات من حملة التحالف العربي إلى عاصمتهم، كما أعلن مقاطعتها لجارتها واتهمتها بموالاة إيران وهي التي وقفت معها ضد إيران إبان أزمة السفارة في طهران.

مواقف هؤلاء ليست من باب معاداة إيران كما يدّعون وإنما هي تأتي في سياق التهنئة التالية لأحد المثقفين على تويتر:

أتقدم بالتهنئة لدولة إسرائيل شعبًا وحكومة بمناسبة هذا الحدث التاريخي (نقل السفارة الأمريكية إلى القدس) فعندما زرت القدس وجدتها مدينة من العالم الأول فأدركت احترام المجتمع الإسرائيلي لعاصمتهم المقدسة ولثقافة حرية العبادة فيها، وشكرت الله بأن مكة والمدينة والقدس تحت إدارة أنظمة تحترم قداسة هذه المدن وجعلتها من أجمل مدن العالم.

وصل الفيروس للمنعطف الأخير في حملته ضد جسد الأمة ولو تعاملنا مع هذا الداء منذ بداياته لما وصلنا إلى هذا المستوى وربما كان ذلك لو أدرك أهل الخمسينيات أنه سيأتي من أهل الألفية الثالثة من يقول ما نراه في السطور السابقة، أو وضع في باله احتمال أن نسبة الـ 57.7% ستصل يومًا إلى 78% أو يفكر في أن الـ 21 ألف كيلومتر مربع ستتضاعف إلى 69 ألفًا، أو يظن أن أحد القادة بعد بضعة عقود سيقول: ( آن الأوان لأن يقبل الفلسطينيون الاقتراحات المعروضة عليهم وأن يقبلوا بالحضور لطاولة المفاوضات أو «فليصمتوا» ويتوقّفوا عن الشكوى)، أو يفكر في أن المقاومة المشروعة للاحتلال والتي هي من جنس مقاومة الفرنسيين والبريطانيين للقوة النازية ستتحول إلى إرهاب وأعمال عنف وشغب.

ما زالت هذه العروة التي نتشبث بها صامدة أمام الهجوم الفيروسي الأمر الذي اعترف به نتنياهو بقوله: (أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا، بل هي الرأي العام في الشارع العربي) ولكن حضروا أنفسكم قريبًا لدعوات لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل ونشر تعاليم التوراة والتلمود، وحضروا أنفسكم للجنود العرب الذين سيكونون في الصفوف الأولى لقوات الاحتلال تقتل أو تُقتل في سبيل الحق اليهودي في أرض الميعاد وتترقب ظهور المسيح الذي ستخضع له كل الأمم وليكونوا في خدمة اليهود، فالفيروس قد استشرى في جسد الأمة ووصل إلى مراحل متقدمة كثيرًا عن أن يعمل أحد ما على استئصاله نهائيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد