أتذكر في عام 2002 تقريبًا ذهب مجموعة من الشباب المصري إلى اليابان في مشروع التخرج الخاص بهم في كلية هندسة، وحصلوا على المركز الأول في تصنيع روبوت آلي يلعب كرة السلة، وحدث هناك انبهار عالمي بأفكارهم التي رجعت إلى مصر بخيبة أمل كبيرة، عندما عادوا إلى مصر لم يحصلوا على عمل، ولا أحد انتبه لما فعلوه، فكان حليفهم الجلوس على مقاعد المقاهي، والبحث عن من ينتشلهم من خيبات الأمل، وقد ذكرهم بعض الصحفيين آن ذاك حتى يُلقي عليهم الضوء لكي ينظر إليهم المسؤولون في بلدنا الجميل، ولكن دون جدوى، لا أعلم وقتها سبب التهميش الكبير الذي حدث من قبل المسؤولين، ربما من وجهة نظري جهل قيمة ما فعلوه، أو عدم وعي فوائد صناعة روبوت يلعب كرة سلة يفوز بالمركز الأول في بلد مثل اليابان.

تذكرت هؤلاء الشباب وغيرهم الكثير مما لا نعرفهم وسط مشاكل الوطن التي لا حصر لها، وكيف نحن أمة لا نقدر العلم ولا نقف بجوار العالم، حتى عندما يموت العالم لا نرى ما نراه في وداعهُ مثل وداع ممثل مشهور أو مغني مغمور.

إن مصر على مدار التاريخ أنجبت الكثير من العلماء والعباقرة الذين يثبت لهم التاريخ مدى إمكانيتهم الفذة، ونفعهم للعالم أجمع، وإن منهم من لم يحصل على المال والشهرة التي حصل عليها أرباب الفن وغيرهم.

النموذج الشاب المتمثل في اللاعب الخلوق محمد صلاح، وكيف كان له التأثير الكبير على كل من يشاهده من مسلمين وغير مسلمين وطلائع من الجيل الصغير الذي حُبب إليهم أن يكونوا لاعبي كرة قدم، فلا أحد ينكر ولا أحد يغيب عنه أن مصر مليئة بالملايين مثل الجميل محمد صلاح، وقد يكونون أفضل في المستوى منه، ولكن من يبحث عنهم ومن يقدمهم، ومن يهتم بكل هذه المواهب داخل الوطن ومن يرعاها حتى تصل إلى العالمية؟

منذ فترة بدأ ما يمسونه بدوري بيبسي في مدارس مصر، وخرج لنا العديد من المواهب التي لا تخطر لنا على بال، وظهرت مواهب كانت في محل التهميش والنسيان ومنهم من حالفه الحظ وواصل التألق فيما بعد.

وفي هدر الطاقات أتذكر قصة رجل دخل على هارون الرشيد – رحمه الله – وقال إني أستطيع أن أعمل عملًا يعجز عنه الناس، فقال الرشيد هات ما عندك؛ فأخرج الرجل علبة فيها كثير من الإبر فغرس إحداها في الأرض ثم أخذ يرميها إبرة إبرة فتشبك كل إبرة في ثقب الإبرة السابقة، ووقف مزهوًا بما فعل، وانتظر من الخليفة جائزة عظيمة، فأمر الرشيد بضربه مائة جلدة، ومنحه مائة دينار، فدهش الحاضرون لتصرف الخليفة، لكنه قال لهم: أعطيته مائة دينار مكافئة له على حذقه ومهارته، وضربته مائة جلدة لأنه يصرف ذكاءه فيما لا يفيد، وكم منّا من يصرف ذكاءه فيما لا يفيد، وكم منّا من يهدر طاقته فيما لا ينفع.

إن مصر تملك العديد من المواهب في كل المجالات، ولكن لا تملك من يمد يد العون في الأخذ بهؤلاء المواهب، فضلًا عن تكريم المستحق أو الصمت حول علاقاته الشخصية أو لمن ينتمي أو غيرها من الأشياء الخاصة بكل موهبة التي حققت لمصر نجاحًا وفرحه عامة، فضلًا عن تشتيت وتجريح هذه الموهبة عند الإخفاق أو مخالفته في شيء ما، يصبح عدم الوفاء شعار البعض، فوجب علينا جميعًا من مواطنين قبل الحكومات أن نتعلم سياسة الاختلاف، وأن نحترم خصوصية الغير، وألا ننقلب على من أعطونا بصدق لمجرد اختلاف في شيء ما يخصهم.

إن تألق وظهور اللاعب محمد صلاح ينبه الدولة على أن تعيد فكرة التعامل مع المواهب بشكل مختلف وأن تستثمر في أبنائها بشكل أفضل وأن تبحث عن تلك المواهب ورعايتها ومساندتها حتى بر الأمان؛ لأن ذلك نجاح للدولة قبل الموهوب، وتحصيل فوائد على المستويين العام والخاص، فلماذا نهدر كل هذه الطاقات والمواهب الجميلة، ونركز فقط على الهابط وعديم الفائدة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد