تشرين الأول/ أكتوبر 1922 يقف موسوليني يصرخ في أعضاء حزبه وسكان مدينة نابولي: “إما أن تعطي الحكومة لنا، وإما سنأخذ حقنا بالمسير إلى روما”.
وتصرخ الحشود “اخترناه اخترناه”.

قصتنا تبدأ في 23 مارس 1919، يجتمع الآن بينيتو موسوليني بعدد من الرجال لتأسيس حزب للحركة الفاشية، بعضهم من الجنود المشاركين في الحرب العالمية الأولى الذين لم يجدوا عملاً فور عودتهم إلى وطنهم. شكلت الحركة الفاشية من المحاربين القدامى والعاطلين وذوي السوابق الإجرامية، استطاع موسوليني أن يجمع الكل تحت أيدولوجية متطرفة متعصبة. استغل موسوليني تردي الأحوال الاقتصادية والسياسية من بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتشكل عصابات من الفقراء للسطو على الأغنياء، والإضرابات العمالية. استطاع أن يدخل البرلمان في 1921 بعد فشله في الحصول على مقعد واحد في برلمان 1919.

هُزم الشيوعيون في الشوارع بالقتل وتفجير مقراتهم، بالإضافة إلى هزيمتهم نفسيًّا بتزايد الأصوات المنادية بضرورة أن يقود الدولة رجل قوي يشكم الجميع ويعود بالاستقرار إلى شوارع إيطاليا مثل موسوليني. استغل تنظيم موسوليني طبقة الأغنياء الرأسمالية في قمع الفلاحيين والإضربات العمالية حتى في بعض الأحيان لجأ النظام إليه لقمع بعض الإضرابات العمالية التي لم تستطع الدولة السيطرة عليها، واستطاع التنظيم الفاشي النجاح في إخماد كل الاحتجاجات والإضرابات العماليه، حتى ظهر أمام الجميع أن موسوليني وتنظيمه امتلك السلطة المطلقة.

جاء خطاب موسوليني في أعضاء حزبه في احتفلات مدينة نابولي، كالخطوة الأخيرة في مسيرة سيطرة موسوليني على السلطة. ونظمت مظاهرات اتجهت إلى روما تشكلت من 14000 من أعضاء تنظيم موسوليني من أصحاب القمصان السوداء. وكان لهم ما أرادوا، حيث شكل موسوليني الحكومة، وقمع المواطنين الذين حملوه على الأعناق، ثم قتل وسجن المعارضين له فكريًّا وسياسيًّا. كان يحلم بأن تكون إيطاليا أم الدنيا و”قد الدنيا” ويعيد الأمجاد، انتهى حلم موسوليني بالجلوس على عرش الإمبراطورية الرومانية معلقًا من أرجله هو و15 من معاونيه في محطة بنزين في مدينة ميلانو، ثم تم عرضه بالمقلوب في ساحة عامة في مدينة ميلانو.

دراسة “سيكولوجية الجماهير” والتحولات العاطفية والفكرية بين الشعوب والحكام من “اخترناه” والنهاية بـ”علقناه” نظرًا لما عانينا في ثورات الربيع العربي من تخبط وفشل ومحاولات لاسترجاع تصدير الثورة مرة أخرى.
جوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع الشهير ألف منذ أكثر من قرن كتاب “سيكولوجية الجماهير” في عام 1895 أي بعد ما يقارب المائة عام على قيام الثورة الفرنسية وما أعقبها من انتكاسات، وما تلاها أيضًا من استرداد لها. تناول لوبون في كتابه ذوبان شخصية الفرد في سيل الجماهير، والذي يترتب عليه تخليه عن عقله الواعي، والتغاضي عن بعض الأفعال الهمجية والبدائية، ومن هنا يمكننا أن نفهم سر تغير النخب الواعية – المستقلة بعيدًا عن النخب المستعارة والمأجورة- خلف عواطف الجماهير، حتى وإن كانت مخالفة لأبسط قواعد التحاكم العقلي التي عرفت بها تلك النخب.

نتيجة لطغيان العاطفة وتهميش الآراء العقلية تصبح الجماهير في حالة تلقي الأفكار وليس إنتاجها، لذلك تنتشر في أوساط كبيرة بعض الأفكار غير المنطقية، حتى وإن فكر الفرد فيها على حدة وعرف هشاشتها.
من أبرز الخصائص النفسية للجمهور التي يقررها وبون في كتابه سرعة انفعالها، فلا شيء مدروس لدى الجماهير، فهي تستطيع أن تعيش كل أنواع العواطف، وتنتقل من النقيض إلى النقيض بسرعة البرق، وذلك تحت تأثير المحرضات السائدة. ويذهب لوبون إلى أبعد من ذلك حين يقرر أن شهادات الجماهير هي أقرب إلى الوهم والأساطير منها إلى الحقيقة، ذلك أنها بنيت على وهم أحدهم ثم عن طريق العدوى وانتقال الشائعات، والتي تصبح بفعل العقلية التبسيطية للجماهير بمثابة الحقيقة.

ويؤكد لوبون أنه إن كان يلزم وقتًا طويلاً لكي تترسخ الأفكار في نفوس الجماهير فإنه يلزم وقتًا لا يقل عنه طولاً لكي تخرج منها، وضعف المحاكمة العقلية لدى الجماهير يجعلها تتأثر بالصور والخيالات؛ لذلك تنتشر بين الجماهير الأساطير والقصص اللاعقلية والمحملة بالعواطف والخيال، الأمر الذي يجعلها لا تميز بين الواقعي واللاواقعي. لكنها في نفس الوقت تساهم في تجييش الجماهير ومخيلتها لتحريكها نحو أفكار كبرى وعميقة، ولولا تلك الحماسة وراء الأفكار الكبرى لما نهضت أمم وقامت حضارات. وأخيرًا يقرر لوبون أن “معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها”؛ فليست الوقائع بحد ذاتها هي التي تؤثر على مخيلة الجماهير، وإنما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد