عمرو بن هشام (أبو جهل) وهو يسير في مكة يقول لراعي الغنم عبد الله بن مسعود، قد فرغت لك يا أم عبد، إلى أين؟ قف مكانك، ولا تسرني بصحبتك يا راعي الغنم، هذا الطريق لا فسحة فيه لأمثالك تزاحم سادة قريش فيه. عبد الله بن مسعود: دعني وشأني يااااااا.

أبو جهل: قلها ولا تخف، أبا جهل، لماذا تخشى قولها أمامي؟ ألم يعلمكم صاحبكم ألا تخشى في الله أحدًا؟ أن تصبروا على الابتلاء؟ أو أنه لا حيلة له بالعاجز الضعيف إسلامًا أو غيره. راعي الغنم يبقى راعي الغنم، انظروا إلى ساقيه كساقي قطاط. بمثل هذا يخوفني محمد! لأقطعن ساقك يومًا يا راعي الغنم. مر عمر بن الخطاب على عبد الله بن مسعود بعد سقوطه على الأرض بعد استهزاء أبي جهل به، وأخذ بيده، وكان عمر بن الخطاب لم يسلم بعد، قال له عبد الله بن مسعود والله إنك لخير الرجلين، وما أظن أن دعاء النبي يخطئك.

نحن لا نملك شيئًا، لا نملك أسماءنا، وآباءنا، ولوننا، وجنسيتنا، وأقاربنا، وعمرنا، ورزقنا، وأزواجنا، وأولادنا، وأموالنا. ولا أي شيء كلها نعم من الله يجب أن نشكر الله عليها. نولد بلا أي قدرة على شيء، ومجردين من كل شيء، ونكبر ونصير رجالًا أو نساء، وكل ما نملك هو مكتسبات من الله، الأب؛ والأم، والأقارب، والمال، والبشرة، والطول، والقصر، وكل شيء، فلا بد أن نشكر الله على ما أعطانا ولا نتفاخر به على أحد؛ لأنه ببساطة ليس ملكك، أو ليس أنت من صنعته لنفسك، من تتفاخر عليه من الممكن أن تكون مثله لأنك مثله مخلوق خلقه الله، فلا الغني يتفاخر، ولا الوسيم يتفاخر، ولا صاحب السلطة والجاه يتفاخر؛ لأنها أشياء ليست من صنعه ولا اكتسبها من نفسه، نعيش في عالم سيئ جدًّا، يتفاخر الناس بعضهم على بعض، وكأنهم من كوكب آخر، ولا يدرك كل فرد أنه ليس لديه قدرة على فعل أي شيء إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فلماذا نتكبر بعضنا على بعض، ولماذا نتفاخر، الفقير من الممكن أن يصبح غنيًّا؛ لأن هذا شيء بيد الله لا يعلمه أحد، وممكن أن يصبح الغني فقيرًا، والفقير يصبح غنيًّا، والوسيم يصبح مريضًا، والقبيح يصير إلى أعلى المراتب، مجتمع يتفاخر بما أعطاه الله له، كيف هذا لا أدري، موهبتك صحتك، جمالك، نسبك، طولك، مالك، كلها أشياء منَّ الله عليك بها فلا تغتر على أحد، كلنا عباد الله.

هناك الكثير من الأفكار التي تشبعت بها عقول مجتمعاتنا، أفكار لا تدل إلا على أن هناك جهلًا ثقافيًّا كبيرًا بين طوائف المجتمع، جهل بكل شيء، جهل ديني، وجهل تاريخي، وجهل علمي، لا أقصد بالجهل الجهل التعليمي، ولكن أقصد به الجهل الثقافي، أعلم أن المجتمع كله متعلم، الطبيب، والمهندس، والمحاسب، والمعلم…، ولكن هناك جهلًّا ثقافيًّا عن التاريخ، والدين، والعلم، والحضارة، والأخلاق، كلنا متعلمون ولكن أيضًا كلنا جهلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لمست كل أطراف المجتمع من غني وفقير، وطبيب، ومهندس، ومعلم، وفني، وصناعي، وجاهل، والمعظم لا يوجد لديه أي ثقافة عن الدين، أو الحضارة، أو التاريخ، أو العلم، والأخلاق، من عواقب هذا الجهل المدمر للمجتمعات والحضارات هي بعض الصفات والمعاملات التي تظهر على الأفراد، مثل التكبر، وعدم الفهم، والجدال، وسوء الأدب، والكره، والحقد، الصوت العالي واستخدام القوة، هذه الصفات هي نتيجة للجهل الفكري والثقافي الذي يسيطر على المجتمع؛ فتكون عاقبة كل هذا هو أن تموت المواهب، وتختفي القدرات، ويهرب صاحب العلم، وتتبخر الفكرة، وتبور الطموحات، ويموت الأمل.

فلا بد أن نربي أطفالنا تربية ثقافية، وليست علمية، وإن كنا نحن نفعل ذلك لأن المجتمع المحيط لا يخرج إلا الجهل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات