يقولون: «السّاكت عن الحق شيطانٌ أخرس»، فما بالنا نحن بالسّاكتِ عن الظّلم، بالثِّقل الذي أكهلنا، بالفشلِ الذي تحمّلنا أتعابه.. هذه هي تجربتي الثانية في الكتابة كتبتها بمناسبة مرور أربعة أشهر على حادثة البحر الميت.. مرّت مرور الكرام.

لا نسمعُ عن خطط التَّصدي للفسادِ إلّا من الإعلام المَسوق من قبل بعضهم، ينتشر خبرُ قضية جديدة، يطل المذيع علينا، يطمئِننا بأن الحكومة لا زالت تأخذ بِعيْن الاعتبار ملفات الفساد، وتقمعُ بقوَّةٍ وتكافح الفاسدين، إلّا أنهُ بعد ذلك بأقل من شهرين يختبئُ المسؤول خلفَ سِتارة الفشلِ، أما الحكومة فتريد تعويض خسائرها، فتفرضُ على الشعب المسكين المزيد والمزيد من الضّرائب، حتى وصلت أن يدفع المُواطنُ ضرائبَ مقابِل أبسطِ حقوقه الأساسية غير المصونة في (الدّستور الذي كفل حق الحياة بكرامة)، لكنّها تُخرسُهم بوضِع دعم.. دعمٌ على الخبز!

يُرشوْن بالآلاف والملايين وكل ذلك وأكثر تحت الطّاولة.. الطّاولة التي وضعت عليها أوراق ضرائب جديدة تنخر برؤوس المواطنين، الرّشوة تُذكرني بالعادات البالية ضبّوا القصة ولا تفضحونا، شيءٌ مُؤكد بعد خسارة ما في الخزينة، أن يقومون بفرض المزيد من الضرائب، فلا أجزم إلا قليلًا أن أقول إن الرشاوى – بعضها – هي من جيب المواطن، يُلقي كبير المسؤولين خطابًا أو تصريحًا ظاهره جديّ وباطنه يضحك على النّاس، سيقُص الفساد من جذوره، تهدأ ثورة المواطن المتعطشة للانتقام، وما إن تمرّ أشهرٌ قليلة حتى ننسى، ننسى الملف فيتبعه ملفٌ جديدٌ هو أخطرُ و أكبر، فأشبهه بوليدِ ملف الفساد السابق، سكتنا عنه فظهر ابنه، أكبر منه وأشد بطشًا.

هُنا يُزج ببائع الخضار لأسباب تعرفها الحكومة ولا نعرفها نحن، بل ربما البائع نفسه لا يعرفها، وفي نفسِ الوقت في مكان آخر على أرض نفس الدولة تُكرم فنّانة أهانت شعب الدولة التي تكرّمها، و لم تجف دموع أمهات الشهداء بعد – في حادثة السّلط – الشّهداء الذين قدّموا أرواحهم رخيصة للوطن، باع كبار الوطن دماءهم رخيصة!

ملفٌ هو جزء من 100 جزء من الفساد.. إنها حادثة البحر الميّت، وقعت يوم خميسٍ، ذرفنا دموع الأسى والحزن، استذكرناهم لثلاث أيام.. ذكرى أسبوعية، ذكرى شهرية. وانتهت الذكرى، أمّا عن قلوب أُسر الأرواح البريئة الشهيدة فما تزال تبكي، قدّر الله وما شاء فعل، ولكن ولهذه اللحظة من يُحاسِب المسؤولين؟ أقلّها أن يحاسَب مديرُ مركز الطّب الشّرعي الذي حرم عائلة إحدى الشهيدات من وداعها الوداع الأخير، لا بل يُكرّم على جهوده المبذولة، تمامًا كبائع الخضار الذي أُهين لأنه يبيع من بعض ما يملك وتكرّم حضراتٌ بحفلٍ كلّف أكثر من 20 ألفَ دينارٍ أردنيّ.

اليوم وبعد أربعة أشهرِ يتأكد لنا أن الأطفال ليسوا وحدهم من غرقوا، بل إن ضميرنا المتبقي غرق معهم، بشكلٍ عام ما أودُّ إيصاله هو أن المسؤول عن هضم حقوقنا هو نحن، نعم جزء كبير وعبئ ثقيل على الحكومة، ولكن تبقى حقوقنا نحن، فحقًا السّاكتُ عن الحق شيطانٌ أخرس!

تعوّدنا على الظلم، لم يعد للإباء معنىً في نفوسنا، عوّدونا تدريجيًا الدّاء المُرّ حتى ما عُدنا نستسيغه، أصبحنا مغموسين في مرض اللامبالاة.

أما من يقِفون إلى جانب من ظلَم – لمصالحهم الشخصيّة – ويقولون نعم الحكومة حاسبت الفاسدين، فأقول لهم: عن أي حسابٍ تتحدثون، أن يُحاسب فاسِدٌ ولا يُقلعُ الفسادُ كلّه، فهي كنصف الحقيقة كِذبة كاملة، فحِساب البعض وترك الآخرين يعيثون بنا فسادًا هو فسادٌ كامل وصريح.

أرجوكم «إن لم تستطيعوا قوْل الحقِّ، فلا تُصفقوا للباطل» – الشعراوي، كفاكم مجاملة بالحكومة، فسكوتٌ عن مُنكرٍ هو مجاملة، ولا تضعوا أنفسكم بمواقف حرجة، إن لم تدفعوا أنتم ثمن سكوتكم، فأبناؤكم من الجيل القادم هو دافعُ الثّمن.

اللهم لا شافيَ لغليل المقهور المظلوم إلا أنت فاربط على قلوبهم وقلوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد