لم تأتِ شهرة (بيل ناي) رجل العلوم من عمله كمهندس، لكن جاءت هذه الشهرة من برنامجه العلمي (بيل ناي رجل العلوم) الذي كان يستهدف تبسيط العلوم للعامة ونشر الوعي العلمي. فمن كان يعلم أن بيل ناي في الأساس هو مهندس وليس عالمًا؟ ومن هذا المنُطلق جاءت شهرة الكثير من العلماء الكثيرين أمثال: كارل ساجان، ستيفن هوكينج، برايان كوكس، برايان جريين، نيل ديجراس تايسون، إلخ.

 

التواصل العلمي

 

هو مفهوم الغرض منه عمل قنطرة تربط بين الأشخاص الذين يعملون في البحث العلمي ومجموعات مختلفة من الناس العامة، وهى أيضًا لعمل علاقات بين العلماء والأفراد، على عكس ما كان قديمًا وهو كل شخص في عمله لا أحد يعرف الآخر. فالآن ومع تطور وسائل الإعلام والميديا وظهور التواصل الاجتماعي، كان لا بد أن تنشط العلوم وتنتشر وتظهر للجميع ليس فقط لمن هم مهتمون بها بل تأتي أيضًا لمن هم في منأى عنها.

وظهر هذا المفهوم لأول مرة في بريطانيا منذ حوالي 40 عامًا، نتيجة لعدة عوامل، من أبرزها: زيادة عدد الأوراق العلمية التي تظهر وتُنشر في جميع المجالات مثل العلوم، الصحة، الطعام، الهندسة، التكنولوجيا.

وأيضًا ظهور تطبيقات لهذه الأبحاث التي تنشر ونحن في استخدام يومي لها مثل: الهاتف الجوال، الحاسوب الشخصي، الأدوات الكهربائية، مصابيح الإضاءة، إلخ. فكان لا بد من ظهور مصطلح جديد يربط أصحاب تلك الأبحاث بالأشخاص العامة والذين يستخدمون تطبيقات تلك الأبحاث. ومع ذلك الانتشار ظهرت إحصائية تقول: أن عدد قراء الأوراق العلمية والمهتمين بها حوالي 0.6 أي أقل من الواحد الصحيح، هذه النسبة الضئيلة توحي بعدم اهتمام شريحة كبيرة من الشعب منهم العالم والمختص ومنهم غير المختص بالأبحاث العلمية مما يوحي بضرورة تعميم وانتشار التواصل العلمي.

ولذلك نستنتج أن كل العلماء الذين لهم باع في مجال تبسيط العلوم، ذاع صيتهم أكثر بكثير جدًا من العلماء الذين يعملون في معاملهم فقط. وهؤلاء المشاهير استمدوا شهرتهم من تبسيط العلوم.

لذلك فإن العالم الذي يسلك في تبسيط العلوم ما هو إلا (مطرب) شهير له جماهيره، والعالم الذي يهتم فقط بعمله الأكاديمي فهو (شاعر) يضع كلمات الأغنية للمطرب، لا يظهر كثيرًا أمام الجماهير فلا أحد يعرفه (شكلًا) لكن المطرب فهو معروف لدى الجميع. فالتواصل العلمي أو الـ Science communication هو المدخل الأساسي للشهرة في المجال العلمي.

هذا الجزء القادم من كتاب (أعظم 100 شخصية على مستوى التاريخ) لمايكل هارت، من حديثه عن سبب ترتيب نيوتن وأينشتاين حيث نيوتن في المرتبة الثانية وأينشتاين في العاشرة:

“يقول: إنه حدث عندما كان الفيلسوف الفرنسي فولتير في بريطانيا أنه اشترك في مناقشة موضوعها: من هو الأعظم: الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر، أو القائد الإغريقي الإسكندر الأكبر، أو القائد المغولي تيمور لنك، أو الزعيم البريطاني كروميل؟

 

وكان الرد على هذا السؤال أن قال أحد المتناقشين: بل أعظم الجميع: العالم الرياضي البريطاني إسحق نيوتن.

 

وكان رد فولتير: فعلًا نيوتن أعظم، لأنه يحكم عقولنا بالمنطق والصدق، وهؤلاء يستعبدون عقولنا بالعنف، ولذلك فهو يستحق عظيم الاحترام”.

 

“وأينشتاين له نظريات هزت الرياضيات والفيزياء أيضًا، لكنه يأتي في المرتبة التالية بعد إسحق نيوتن. لأن نيوتن أوضح وأقدر على الإقناع. ولأنه صاحب الفضل الأول والأخير على ثورته في الطبيعة. أما أينشتاين فرغم عبقريته العظيمة، فقد سبقه كثيرون مهدوا لنظريته هذه”.

 

لذلك فنحن الآن في أمس الحاجة إلى تعميم تجربة التواصل العلمي أو الـ Science communication وكمثل أية تجربة لها آليات تنفيذ.

 

 

 

 

 

 

 

 

آليات تعميم وتنفيذ تجربة التواصل العلمي

 

 

1. عمل حصة ثابتة تخدم التطبيقات العلمية بطريقة بسيطة وسلسة كمثل معارض تشرح تجارب عظيمة بأدوات بسيطة تتواجد في المنزل، كمثل هذا الفيديو يشرح تجربة التوتر السطحي بطريقة ألعاب بالون.

 

2. يقوم المُعلم بشرح المبدأ والنظرية وتطبيقاتها ومشاركة الطلاب في إعداد التجارب لهذه النظرية مما ينمي التبسيط والابتكار والمشاركة الفعالة لدى الطلاب.

3. عمل ندوات من شباب جامعي مهتم بعرض العلوم بأسلوب بسيط، للطلاب في المدارس، وعمل ألعاب حركية وعروض شيقة علمية.

4. تدريب الطلاب على عمل (سيناريو درامي) لمسرحيات تناقش قضايا علمية، ومن ثم عرضها كمسرحيات علمية شيقة ومنها الكوميدية.

 

5. تدريب الطلاب على كيفية كتابة الأبحاث العلمية.

6. تدريب الطلاب على كيفية الكتابة السهلة والبسيطة لخبر علمي وصياغته ومراجعته.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7. تدريب الطلاب على كيفية التفكير العلمي، وفي هذه النقطة لا أرى أفضل من كتاب (التفكير العلمي) للكاتب الراحل د. فؤاد زكريا.

 

8. عمل دورات تدريبية مكثفة لطلاب الكليات العملية لكيفية تبسيط العلوم والتواصل العلمي ومن ثم الاستفادة بهؤلاء الطلبة المتدربين بعمل ندوات ومعارض على مستوى الجامعة يشرحون فيها العلوم المبُسطة لطلاب الكليات النظرية والعلمية ومن ثم يعملون ندوات في المدارس لطلابها.

9. اعتماد وظيفة جديدة تكون مختصة لمن هو له القدرات والإمكانيات لذلك، وهي وظيفة الـ Science communicator وهو المسؤول عن التواصل العلمي وتبسيط العلوم للناس. هذه الوظيفة لا تكون فقط قاصرة على الجامعات أو المدارس بل تكون في المجلات والصحف ويكونون هنا مسؤولون عن صياغة الأخبار العلمية بأسلوب مبسط بدلًا من الجهل الذي نراه من ناحية الأخبار المحلية في الصحف المحلية. وهذا أيضًا يكون متخصص ليس فقط لديه الموهبة والقدرات لذلك بل يُكمل دراسات في الجامعات العالمية مثل جامعة ادنبرة في بريطانيا. ومن هنا نبدأ في تأسيس وحدات متخصصة للتواصل العلمي بداخل الهيئات، هذا عائد لنا بالنفع والفائدة في كل المجالات.

 

ولدي الآن دراسة لكيفية تعميم هذه التجربة في جميع مدارس وجامعات مصر حتى يعم الوعي العلمي والثقافي بدلًا من الشعوذة والجهل الرجعي.

 


 

 

 

 

 

 

ختامًا، فهذا نداء إلى الحكومة، وكل من هو مسؤول، علينا بالنظر إلى الدول الغربية التي قامت بتعميم وتنفيذ هذه التجربة، وعلينا الاهتمام بالمبادرات والشباب الذين لهم باع وبدأوا في تنفيذ هذه التجربة، إذن علينا الآن باعتماد وظيفة الـ science communicator الخاصة بالتواصل العلمي، وتعميمها في كل الجامعات الحكومية وأيضًا المؤسسات الصحفية والإعلامية، حتى نقوم بفهم العالم والمساهمة الفعلية في خلق مستقبل جديد للشباب بحسب رؤيتهم له.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أبحاث, تعليم, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد