شهدت الساحة الفلسطينية في الآونة الأخيرة ارتفاعًا مُريبًا في نسبة القتل والجريمة فلا يمرّ يوم أو يومان، إلا ونسمعُ عن جريمةٍ جديدةٍ، صار الأخ يقتلُ أخاه أو صديقه، والرجل يقتلُ زوجتهُ أو والدتهُ، وكأنّي بنا في حربٍ يتسابقون فيها أيُّهم يقتلُ الآخر! في الأمس جريمةٌ في الخليل، وقبل في بيت لحم، واليوم في جنين، والله أعلم ماذا يخفي لنا الغد!

وضع يبعثُ على الخوفِ والدهشةِ في آنٍ فيقفُ المرءُ مشدوهًا أمام ما يحصل، لا يملكُ من أمره شيئًا سوى أن يسأل لماذا كل هذا؟ لماذا القتلُ بغيرِ الحقّ أيُّها المسلمون؟ ألم تكتفوا من سفكِ الاحتلال لدمائكم حتى تساعدوهم فتسفكوا دماءَ بعضكم البعض وتقتلوا أبناء أصلابِكُم؟ ألم تسمعوا قول ربّكم في سورة الإسراء (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)؟

صار القتل أمرًا عاديًا وزادت كثافةُ انتشارهِ بشكلٍ مُلفتٍ للنظر، قتلٌ بسبب شجارٍ عائليّ، قتلٌ بسبب مشكلةٍ بين صديقين، وقتلٌ بسبب اختلافِ وجهاتِ النظر، أو بسبب حكاية حبٍّ فاشلة، وقتلٌ بدون سبب!

في حضور الجريمة على الساحة الفلسطينية بهذا الشكل الكثيف لا بد أن نتساءل، لم لا يوجد تورّع ولا خوف حين يقبلُ أحدهم على ارتكابِ الجريمة وإباحة الدم الذي حرّم الله؟

بالنظر إلى أحوالِ المسلمين عامةً وأحوال شعبنا خاصةً فإن البعد عن الدين وعدم اتخاذه مرجعًا رئيسًا كان السبب الرئيس الذي جعل القتل شيئًا عاديًا. لطالما شكّل الدين رادعًا قويًا للجريمة بالعقاب الدنيوي، فضلًا عن عقاب الآخرة الذي توعّد به لمن يقتل نفسًا بغير الحق، وفي هذا يقول تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) في الآية السابقة نرى التشريع السماوي ينهى عن قتل النفس إلا بالحقّ، وبالحقّ تعني لأجل الحقّ أو في سبيله، كأنْ يكون متجاوزًا لشرعِ الله أو معتديًا على حدوده وحرماته.

انظر – يا رعاكَ الله – إلى قول المولى عز وجل في موضع آخر في سورة النساء (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) فالله نهى عن القتل العَمد وتوعّد فاعِلَهُ بالعذاب العظيم واللعنة في الدنيا ولعذابُ الآخرة أشدّ وأكبر؛ وذلك لما في هذا النوع من القتل من ظلمٍ وإجحافٍ بحق المجنيّ عليه؛ إذ إنّه لم يُقبِل في حياته على ما يستدعي وجوب قتلِهِ وإنتهاكِ روحه، ومن قتل نفسًا بغير نفسٍ أو بغير حقٍّ فكأنَّما قتل الناس جميعًا، فالنفس الإنسانيّة والروح هي أسمى وأغلى شيء عن بارئها؛ ولذا نراه يُحرّم قتلها في غير الحقّ.

وعليه يُفترض أن يكون الأمر الربّانيّ والتشريع السماويّ رادعًا عن القتل وإزهاق الأرواح ظلمًا وزورًا، ولكن في ظلّ الابتعادِ المُستمر عن الدينِ وعدم الأخذِ بأحكامِ الله وتنفيذها صرنا نرى ازديادًا في حالات القتل وارتفاعًا في مُعدلات الجريمة حين أصمّوا آذانَهم عن قولِ الله ونسوا الآخرة وما فيها من عقاب!

تساهلٌ في تنفيذ أحكام التشريع من أولي الأمر فتح علينا بابًا لا يُردّ ولا يُسدّ، تبعهُ تساهلٌ آخر من السلطة الحاكمة يصلُ إلى حدّ التجاوز عن الفاعل في بعض الأحيان، فصار غياب القوانين الوضعيّة وتساهلها سببًا آخر في تزايد نسبة الجريمة دون الخوف من تَبِعات العقاب والمُساءلة القانونيّة التي ستُلاحق القاتل جرّاء قيامِهِ بانتهاكِ حُرُماتِ الله ونُفوس العِباد!

يُعدّ السجن المؤبد أوّل أشكالِ العقابِ التي يتعرّضُ لها القاتل، أو دفعُ غرامةٍ ماليةٍ بقدْرٍ معين – وأحيانًا يكون تقديرها حسب قيمة المجنيّ عليه – وقد يتمّ صلحٌ عشائريّ كمُحاولةٍ لإرضاءِ أهل المجنيّ عليه وإسكاتِهِم عن أخذ حقِّهِم، وفي أسوأ الحالات يتمّ هدر دم القاتل أو تهجير أهله من أرضهم نتيجةً لهذه الفعلة الشنيعة، إلا أن هذه العقوبات الدنيويّة لم تكُن رادعا ولا سببًا للإحجامِ عن القتل والامتناع عنه!

فالأولى بنا والأجدر بأُولي الأمر العودة للشريعة الإسلامية، والحُكم بما أنزل الله لقوله – تعالى – في سورة المائدة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، إذًا فالواجب على أُولي الأمر الحُكم بشريعةِ الله وتنفيذِ حكمه فيمن يتجاوز الحدود وينتهك الحُرمات بدلًا عن العُقوبات الدنيويّة التي ما عادت تُقدِّم أو تُؤخِّر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد