بينما كنت أحاول استرجاع بعض ما أفقدتنا إياه مرارة الأيام، اعترضت طريقي أليس في بلاد العجائب.

وجاء المشهد الذي تتيه فيه أليس وتصِل إلى مفترق طُرق وعليها أن تختار أن تسلُك أي الطريقين! احتارت أليس فسألت الأرنب الصديق، فردّ، بما معناه، كي لا يتهمني أحدهم ممن يتخذ التخوين سبيلًا دومًا بأني أُأوّل على الأرنب ـ ردًا عميقًا لأبعد مدى: ” أين تُريدين أن تذهبي ”

فقالت: ” أي مكان ”

فأجابها: ” إذًا أي اتجاه! ”

هذا هو الردُّ المنطقي جدًا لشخصٍ يريدُ أن يذهب لأي مكانٍ بدون تحديد وجهة سابقة أو هدفٍ يبتغي الوصول إليه، كل الطُرق تؤدي إلى مكانٍ ما بالضرورة، فخذ أي السُبل إن كنت تريد أيّ شيء، لأنّه لا فرق بين ما تريده وما تريده، ليست لديك خسارات ـ من وجهة نظرك ـ كما أنّه ليست لديك أية مكاسب ـ من وجهة نظري.

ستسير في أمورك الخاصة /العامة/الدينية/السياسية/المستقبلية/ حتى في عملك طموحاتك وزواجك وبناء بيتك وأسرتك بطريقة عشوائية جدًا، ربما لن تستطيع تحديد أولوياتك لأنك لا تعرف أولوياتِ ماذا أصلًا؟

ستواجه تبعًا لسنن الله الكونية في الأرض كثيرًا من العقبات، لن تفهم نواميس الكون ولن تنتبه في الحياة إلا لقانونها ـ الذي ستراه هزليًا ـ القانون الذي يقول بأن الأرض لن تقِف عن الدوران والكون سيبقى رغمًا عن خيباتك ووحدك المتخلف إن بقيت.

ربما كان يلزم أن تفهم أن الأصل للعبد منّا أنه سائرٌ لا واقف، نتخالف فقط في جهة السير ” لمَن شاءَ منكم أن يتقدّم أو يتأخّر ” وأنت سرت هكذا في كل السبل حتى تقاطعت معها وتقاطعت معك ـ لكن السبل نفسها لم تتقاطع.

 

ستعترضك خيبات ستلومها وتلوم حظّك المتمثل في قدرك وتُمثّل طويلًا أنك تعاند القدر كما دون كيشكوت محارب طواحين الهواء، لكنك لم تفهمه أصلًا كي تسخط عليه، لن تستكشفِ المعنى الشفيف، ربما ستشعر بالإنجاز حينما تنجح في أي شيء ولكنك لن تحس شعور الوصول أبدًا ولا لذّة التفكير ولا مشاقّ السعي ولن تصطدم بأزماتٍ فكريّة وتبتهج عندما تجد الحل!

 

أما من يريدُ شيئًا ما، ولديه هدف ما أو لديه استفهام يسعى لإجابته أو صورة منقوصة يسعى لإكمالها هو من سيقع بالضرورة في حيرة مفترق الطرق، وسيولد لديه يقينٌ ليس كأي يقين بعدها، سيره في دربه الممنهج للوصول لما يريد هو الذي سيعرضه لعلامات تعجبٍ كثيرة وخياراتٍ صعبة، يُكابد كي يصل إلى ما يريد.

 

سيختار كثيرًا بين راحته وشقائه وبين ألمه وأمله، بين حُلمه وحِمْله، سيختار وهو يعرف لمَ يختار وبم يختار، قد يفشل في درب ويفلح في آخر، يتيه هنا ويهتدي هناك، يفقد شيئًا ويمتلك أشياء، لكنه يعرف ألا خلود في الدنيا أبدًا والمهم أن يصِل للراحة في آخرة الخلود.

لذا هو يسعى ويحاول ما استطاع لذلك سبيلًا، يضيع حلم في هدف فينسج آخر جديدًا ويُرمم ما فقد في الطريق، أحيانًا يُكسر شيء ما بداخله، لكنه يلتئم فيصير أكثر صلابة وغير معرض للكسر من جديد، يفهم غموض كثير من الوجود، ويمضي في دربه، ولا يرحلُ إلا حين يتضح السبيل.

لم تكن أليس تعرف إلام تريد أن تصِل، لأنّها كانت تستكشف فقط بلاد العجائب.

أما نحن؟ فأعتقد أننا أخذنا وقتنا جدًا في استكشاف ذواتنا، وأمّا ما يخص بلاد العجائب فقد أخذنا كثيرًا من الوقت أيضًا في استكشافها، والآن لابُد من تصحيح مسار سيرك ـ إن كان لك مسار ـ أو أن ترسم مسارًا جديدًا. نقطة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد