بدأت رحلتي عن هذا المقال من البلد الذي أنزل الله فيه القرآن وأرسل منها رسوله محمد مرورًا إلى البلاد التي وصلت إليها الدعوة قبل مكة موطن الحبيب، وإلى الشام والعراق من عواصم الخلافة الإسلامية، وصولًا إلى مدينة القسطنطينية آخر محطة للخلافة الإسلامية التي أدخلت الشريعة الإسلامية في قلب أوروبا، ودامت أكثر من ستة قرون، إلا أنني لم أجد فيهم سوى التفكك والتخلف، وبينما من جانب العالم غير الإسلامي أجدهم يتوحدون وينجزون النهضة والتقدم لأوطانهم ولشعوبهم. فسألت نفسي سبب هذا التأخر والتخلف والتفكك الذي يهب داخل أمة قد عرفت العالم ما لم يعرفه من قبل، ولولاها لما وصل العالم إلى ما وصل إليه اليوم!

بدأت أبحث عن الأسباب التي جعلتنا نقف وراء الأمم، وخلال بحثي هذا قرأت أكثر من كتاب والذي قد أخذني إلى مدة لا يقل عن سنة ونصف إلا أنني لم أصل إلى حل يعطيني جوابًا للأسئلة التي كانت تدور في بالي. مما أمكن لي أن أعرف المشكلة عندما عدت إلى خير ما يعاد إليه، وهو كتاب ربي الله الذي أنزله على حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم.

تعلمنا في المدارس الابتدائية أن الوحدة في المبدأ الصحيح هي مفتاح النهضة والتقدم، وما نشاهده اليوم في أمتنا الإسلامية بعيدة كل البعد عن الوحدة والأخوة فيما بينهم، بل إن بعضهم أصبحوا ألعوبة في أيدي أعدائهم يستخدمون في قتل إخوانهم! إن الواقع المؤلم الذي نعيشه اليوم نحن كمسلمين هو أننا لم نفهم ديننا الحنيف فهمًا صحيحًا. إن من طبيعة الزمن هي أن تصعد أمة إلى السماء وأخرى تسقط إلى الأرض، ولكن الذي لم أفهمه حتى الآن هو عدم صعودنا إلى السماء مرة أخرى. إن الذي يتردد في ذهني لكي أفسر عدم عودتنا إلى مجدنا وشرفنا هو أننا بحثنا الحقيقة عن غير موضعها؛ حتى صرنا ضالين عن الطريق الصحيح.

فربنا سبحانه وتعالى حينما نادى رسوله في الغار حراء ناداه بالقراءة، إذ قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فرب العالمين يعلمنا من خلال هذه الآية أن نجاح الفرد والأمم جميعًا تأتي بعد القراءة. فلما أرسل الله رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في داخل أمة ترعى الأغنام وتقتل بعضها بعضًا، علّمهم مبدأ التسامح وعظمة القراءة والتعليم حتى أصبحوا بعد ذلك أمة ترعاها الأمم. كثيرًا من العلماء يشيرون أن العصر الذهبي للمسلمين قد بدأ في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد. وابتداء من منتصف القرن السابع إلى منتصف القرن الثالث عشر كان العصر الذهبي للأمة الإسلامية؛ إذ ساهم العلماء والشعراء والجغرافيون والفلاسفة والتجار والمهندسون في العالم الإسلامي في الاقتصاد، والزراعة، والقانون، والأدب، والصناعة، والملاحة، والفلسفة، وعلم الاجتماع، والتكنولوجيا، والعلوم، سواء من خلال التقاليد السابقة أو على الحفاظ، أو بإضافة بالابتكارات والاختراعات الخاصة بهم. ومن خلال هذه الفترة أصبح العالم الإسلامي مركزًا فكريًا كبيرًا للعلم والفلسفة والطب والتعليم.

كما ساهمت الإمبراطوريات الإسلامية إلى إعداد علماء من مختلف المجالات العلم، ومن بينهم رائد الكيمياء جابر بن حيان، وابن الهيثم كعالم أول لتطويره المنهج العلمي، وابن رشد الفيلسوف المسلم، وابن سينا الذي ساهم في وضع الأسس للطب الحديث مع القانون في الطب والمسؤول في اكتشاف مرض معدي، وابن النفيس الذي وضع أسس لعلم وظائف الأعضاء في الدورة الدموية، وابن زاهر كأقرب جراح تجريبي يعرف بالقرن الثاني عشر. كل هؤلاء العلماء المسلمين ومساهماتهم في هذه العلوم المختلفة إنما هي جزء صغير من علماء المسلمين في العصر الذهبي. فهناك علماء كثيرون مؤهلون أكثر من مجال كأبي بكر الرازي وابن الهيثم، وابن رشد وغيرهم ممن صنعوا مجدًا وشرفًا للأمة الإسلامية من خلال الدين، وليس من خلال البعد عن الدين والشريعة. وخلال هذه الفترة التي لن تزول من ذاكرتي، وأتمنى دائمًا أن نعود إليها من جديد، فأصبحنا أمة ترعاها الأمم.

أما اليوم وبعد زمن ليس ببعيد أصبحنا أضعف أمة على وجه الأرض، أمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تنسج، وتستخدم مما لا تصنع. كنا أمة تستقبل الطلاب حتى الملوك من أنحاء العالم كون بلادنا مركز للعلوم والثقافة لأخذ العلم منا، بينما نحن اليوم نسافر إلى بلادهم نطالب علمنا الذي أخذوا منا بدون مقابل ندفع الْيَوْمَ أموال باهظة لأخذه، فكل هذا حدث بعدما تركنا ديننا وأصبحنا عدوًا لإخواننا حتى يستفيد عدونا الحقيقي بيننا.

ما نعانيه اليوم من تأخر في جميع المجالات العلمية ليس لأن الإسلام هو السبب وراء تخلفنا وتأخرنا في المجال المادي، بل لأننا لم نأت بالأسباب، ولم نأخذ الدين الذي أراده الله على الوجه الذي ينبغي. فالإسلام مفتاح كل شيء، ويحثنا على القيادة والقوة والرياسة وتقديم الخير للبشرية ومساعدة المحتاجين، وهذا هو الذي أوصل المسلمين في العصر الذهبي إلى ذلك التقدم والنهضة حتى أنشأوا حضارة شهد لها القريب والبعيد والعدو والصديق، فقد أخذوا الإسلام كله لم يتركوا شيئًا من الدين. فالأمة اليوم كذلك في حاجة ماسة أن ترجع إلى دينها رجوعًا حقيقيًا مع الأخذ بالأسباب، وحينها سنرى المسلمين يقودون العالم من جديد. الرجوع إلى كتاب الله والحكم بالشريعة هي سبب نجاح الأمة، وليس هناك طريق آخر غير هذا الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد