«بلاد العُرب أوطاني، من الشام لبغدان، ومن نجدٍ إلى يمن، إلى مصر فتطوانِ، فلا حدٌ يباعدنا، ولا دين يفرقنا، لسان الضاد يجمعنا، بغسانٍ وعدنانِ، بلاد العُرب أوطاني، وكل العُرب إخواني».

هذه القصيدة – ومثلها الكثير – تعلمناها في الصغر، تربينا عليها، رددناها دائمًا إذا ما ذُكِر الوطن العربي، أرضعناها أطفالنا، وأورثناها شبابنا، تحولت إلى شعارات نرددها في كل محفل، ثم إلى نشيد ندندن به في كل مهرجان، أحببناها وعشقناها، كتبناها على كل الجدران، نقشناها على قلوبنا، وما فارقت أذهاننا؛ لِمَ العجب ؟ قلت لك : تعلمناها في الصغر!

أما اليوم قليلون من لم يزالوا يرددون مثل هذه الأبيات، أو يهتفون بمثل هذه الشعارات، أو يدافعون عن عروبتهم، هذا إن وجدوا أصلًا! ولئن سألت فلانًا عن الوطن العربي، والعروبة، والعرب بشكل عام؛ إن لم يتهمك بالنرجسية أو البلاهة؛ سيستغرب ويقول : وهل بقي عرب؟ هل بقي من العروبة غير اللغة العربية؟ والتي باتت اليوم أيضًا تواجه مخاطر كثيرة! سيقول لك أيضًا: العرب كانوا وكانوا، ولكنهم اليوم في خبر كان!

أصبحنا اليوم نرى مشاهد الدمار هنا وهناك في أنحاء متفرقة من الوطن العربي، ونشاهد هذا العربي جائعًا، وذاك فقيرًا لا يجد ما يسد به حاجته، وعربيًا آخر يبتلعه البحر دون رحمة عندما قرر أن يفر من الموت، وآخر مريض لا يجد دواءه، وتلك امرأة عربية تصرخ في القدس العربية أين أنتم يا عرب؟ وذاك شاب عربي يريد أن يعبر عن رأيه أو يبدع في مجاله فلا يقدر، وعربيٌ آخر يقتل عربيًا آخر على أساسٍ طائفي، وعربي آخر لا يلقي بالًا لكل ما سبق وأكثر، وكأن على قلبه غشاوة!

والعجيب في الأمر أنه في عصر الجاهلية قبل الإسلام، كان كفار العرب على الرغم من الدنايا والرذائل المنتشرة بينهم؛ إلا أنه كانت لديهم من الأخلاق الفاضلة ما نفتقده اليوم، بعد أن أضعنا عروبتنا وأضعنا إسلامنا الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق التي كنا عليها كما قال الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – فالعربي كان يفي بعهده، كان شجاعًا عزيز النفس، أبيًا حليمًا، جوادًا معطاءً، وجاء الإسلام ليهذب العرب أكثر، حيث تجلت الفضيلة ومكارم الأخلاق في خير القرون في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – والقرون التي بعده، حتى وصلنا اليوم إلى أسوء جيل من العرب! يصَدِّر العروبة على أنها تخلف وتفرق واتّكال وهدم ودمار.

لعل أساس نجاح أي أمة هو في وحدتها، وبالنسبة للأمة العربية فقد كان مطلب التوحد ولايزال من أهم الضرورات، ولكن الناظر إلى وضعنا اليوم يتعجب عندما يرى أن الدول التي قسمها الاحتلال تسعى إلى مزيد من التقسم والفرقة، ليس فقط جغرافيًا، بل حتى طائفيًا، ومذهبيًا، وعلى أساس اللهجة، وعلى أساس اللون، وإن جئت للشاب العربي فتراه ضائعًا يُحَمِّل عروبته سبب ما هو فيه، يسعى للهجرة إلى بلاد الغرب ليؤمن مستقبله، بعد أن فقد أمله في تعليم جيد أو وظيفة مضمونة أو حياة كريمة في وطنه العربي.

أكثر من ربع مليار عربي على وجه الأرض في اثنتين وعشرين دولة مختلفة، حلمنا جميعًا أن نراهم أمة واحدة متحدة، تعيد للعربي هيبته، تجعله يعتز بعروبته، لا مكان فيها للخوف أو الضعف أو الدمار، أمة تساعد الفاشل حتى ينجح، تهتم بكفاءاتها وتحافظ على أبنائها، وتخاف من ضياع هويتها، أمة يجد فيها الجميع مساحة ليبدع، أمة واحدة لا مكان فيها لنزاع طائفي أو خلاف مذهبي، وطن كبير يجد فيه العربي فرصته في التعليم والصحة والتوظيف والحياة الكريمة والمستقبل المؤَمّن! لحظة من فضلك، لا تسرح كثيرًا، قلت لك : حلمنا جميعًا، عذرًا منك؛ فلقد أضعنا عروبتنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد