صار بوسعي الآن أن أنظر إلى قرص الشمس مباشرة، أن أكتب في تاريخًا زُور مئات؛ بل آلاف المرات، أن أتحدث عن ماضٍ لم يأت بعد، لقد كان التاريخ وما زال رحمًا صالحًا لكل زانٍ يريد أن يضع فكرة مزورة تتغذى على أشخاص أنهك التعب أجسادهم البالية وأرواحهم المتجولة في ليل مظلم، يرون أسماءهم منتهكة من كل زناة التاريخ، فتكبر الفكرة حتى تكاد تصبح كلامًا مقدسًا كما القرآن، وحتى بعض الكلام المقدس لم يأمن من التزوير.

لماذا ينسج التاريخ أسماء أناسٍ من ذهب، في حين يدفن في التراب أسماء آخرين؟ ويقف ليرقص على قبورهم، لماذا أتقن التاريخ البكاء والصراخ والتحدث في جانب واحد فقط ناسيًا الكثير والكثير؟! لماذا كان التاريخ مقبرةً لكل ما هو صالح!

أما سئمت صديقي! أما سئمت إلقاء أصولك بجانب كتب لا تُقرأ، والافتخار بمعرفة أصول غيرك؟! أما سئمت قول «لو كان بيننا.. فلان»، إنني أتحدث عن الغزو الثقافي الذي انتشر بيننا بدرجة مخيفة، لقد اختلط الماضي مع أوهام وتخيلات وأفكار لم تكن موجودة من الأساس، أقولها لك صريحة صديقي: «لقد نسينا أصلنا».

إننا -كأمة عربية مسلمة- اكتسبنا عدوًا جديدًا ألا وهو «التاريخ»؛ فهل نستطيع أن نقاومه، وقد أصبح فكرنا هشيمًا تذروه الرياح رغم اختلاطه بماء أُنزل من السماء، إني ها هنا فقط لأكتب لا لأحارب أحد، أو أنتقد أو أقلل من قيمة أحد، إني أحاول عبثًا أن أعيد لكفتي الميزان ذرة عدل؛ بذكر بعض الأشخاص العظام الذي كانوا ضحيةً لمواراة التاريخ، ولن أذكر تاريخ ميلاد أي منهم أو وفاته، عسى أن يكون ذاك مؤشر لمولد أحدهم قريبًا، ولن أُطيل الحديث عنهم، وإنما هو اختصارُ الاختصارِ لما قام به هؤلاء.

 محمد علي جناح

«هناك قوتان في العالم؛ واحدة هي السيف والأخرى هي القلم، وهناك تنافس وتحدٍ كبيران بين الاثنين».

كلنا نعرف الزعيم الروحي للهند «المهاتما غاندي» لكن من منا سمع بمحمد جناح؟ ذلك المحامي المسلم الفصيح أول رئيس لدولة باكستان ومؤسسها، في نهاية القرن التاسع عشر انتفض الهنود وفي مقدمتهم المسلمون لينالوا حقوقهم من الإنجليز، والتحق بهم الهندوس فيما بعد مؤسسين جميعًا «المؤتمر الوطني الهندي»، وقد كان «جناح» أول البارزين على الساحة قبل أن يكون للمهاتما أي ذكر.

قد نجح «جناح» في شغل العديد من الوظائف المرموقة في الهند، وقد كان مجتهدًا إلى أقصى حد حيث عُرضت عليه وظيفة دائمة براتب شهري 1500 روبية، إلا أنه رفض بأدب قائلًا إنه يخطط للحصول على 1500 روبية في اليوم؛ في حين أنه فيما بعد عندما أسس باكستان وأصبح رئيسًا لها، رفض تقاضي راتب كبير وحدد راتبه 1 روبية في الشهر.

إنه قائدي أعظم -كما يسمونه الباكستانيون- الذي وقف كشعلة مضيئة وهاجة أمام ظلام الإنجليز كشوكة في صدورهم، فكان أول مناضل هندي قبل غاندي في تحرير جمهورية الهند، ومؤسس لدولة باكستان.

 عبد الرحمن حمود السميط

«لقد تعلمت أن السعادة الحقيقية؛ هي أن تدخل السعادة إلى قلوب الآخرين».

إنني عندما أتحدث عن د. عبد الرحمن السميط أستشعر وكأن القدوة قد تمثلت في ذاك الشخص الذي هو رجل بأمة، إنني أتحدث عن الطبيب خادم أفريقيا الذي لو قُسم ما قام به على من عملٍ خيري على جميع الأمة العربية لوسعهم، إنه مؤسس جمعية العون المباشر ولجنة مسلمي أفريقيا.

تخيل رجلًا يقضي ٣٠ عامًا في خدمة الإسلام والبشر عامة، فقد أسلم على يديه ١١مليون شخص أفريقي، وقد واجه العديد من الصعوبات في الأدغال، وتعرض للعديد من اللدغات، كما تعرض للعديد من الاغتيالات التي باءت بالفشل؛ بالإضافة إلى كونه مريضًا بالعديد من الأمراض المزمنة مثل السكر، وارتفاع نسبة الكوليسترول، وارتفاع ضغط الدم.

قام السميط ببناء ٨٦٠ مدرسة، و٤ جامعات، و٢٠٤ مراكز إسلامية، و٥٧٠٠ مسجد، و١٢٤ مستشفى، وحفر ٩٥٠٠ بئر، ودفع رسوم ٩٥٠٠ طالب، وتوزيع ١٦٠ ألف طن من الأدوية والأغذية، و٥١ مليون نسخة مصحف، لقد ترك الدكتور السميط بصمة في ما يقرب من أربعين دولة أفريقية، إن دكتور السميط كان حقًّا رجلًا من زمن الصحابة استلذ بمتعة العطاء.

 مولاي موحند

«عدم الإحساس بالمسؤولية هو السبب في الفشل، فكل واحد ينتظر أن يبدأ غيره».

إنه القائد الأعظم وأمير الريف المغربي محمد الخطابي الذي أتى له الثائر الشيوعي المعروف «تشي جيفارا» ليتعلم منه قائلًا: «أيها الأمير لقد أتيت إلى القاهرة خصيصًا لأتعلم منك». لقد استطاع الخطابي توحيد صفوف الريفين المغاربة، وتوجيه ضربات عديدة قاسية إلى الاستعمارين الإسباني، والفرنسي.

بدأ الخطابي برفقة ٣٠٠ مقاتل مهاجمًا الإسبان، مبتكرًا طريقة من أفضل طرق الهجوم، وهي الكر والفر، أو حرب العصابات -كما يسمونها- وقد ارتفع عدد جيشه إلى ١٠٠٠ مقاتل، فمضى يردع جنود الاستعمارين بعد أن كان متخذًا العيش بأمان مع الاستعمار مبدأ، إلا أنه اكتشف أن الخيانة تجري في أجسادهم مجرى الدم، وقد أدخل الخطابي الجنرال سيلفيستاري التاريخ «كأول جنرال يخسر مدافعه في أفريقيا»، وقد تم نفيه في نهاية المطاف بعد أن حبس مرتين إلى جزيرة لارينيون، وبعد عشرين عامًا في المنفى قررت فرنسا أن تعيده إلى بلادها، وفي الطريق طلب حق اللجوء السياسي إلى مصر، وقد تحقق ذلك بالفعل وعاش في مصر إلى أن توفاه الله.

بيري رئيس

بيري رئيس مكتشف الأمريكتين. نعم، مكتشف الأمريكتين ولا تقولوا لي كريستوف كولومبوس هو مكتشف الأمريكتين فما هي إلا أكذوبة صغيرة من أكاذيب التاريخ التي وقّعنا عليها جميعًا صمًا بكمًا.

اكتشف بيري الأمريكتين قبل كولومبوس بحوالي ٢٧ عامًا، بل وقام برسم خارطة لهما أذهلت العلماء بعد أن وُجد تطابق غريب بينها وبين صور الأقمار الصناعية، كما رسم خارطة للقارة القطبية أنتاركتيكا، والخرائط موجودة حاليًا في متحف بتركيا ويقام عليها الكثير من الأبحاث التاريخية، إننا نتحدث عن قمر صناعي بشري مسلم مشى على تلك الأرض، وركب ذاك البحر يومًا ما، ولا تنخدعوا مرة أخرى فليس كل ما يقوله التاريخ صدقًا إنما هي لعبة اعتدناها.

 زومبي

أعتقد أن لفظة «زومبي» بالنسبة للكثير منا لا تعني أكثر من شخص ذي جلد وعِظام فقط، إلا أننا لا ندري أنه كان أحد المسلمين العِظام.

زومبي هو قائد حركة المسلمين العبيد الماليين في البرازيل، فقد حارب البرتغاليين هو وعمه «زومبا» إلا أن عمه وافق على معاهدة صلح مع البرتغاليين فأبى زومبي إلا أن يكمل دفاعه عن كرامته وعزته؛ فحارب حتى أُصيب في قدمه، وبالرغم من ذلك أكمل الكفاح إلى أن عثر على مخبأه لخيانة أحد أتباعه له.

وقد قيل إن جثته قد مُثل بها بتقطيع رأسه وأعضائه التناسلية، كما تم إبادة جميع مناصريه، وقد انتهى زومبي لكن لم ينتهِ بذلك كفاح العبيد من بعده للحصول على حرية سُلبت، وكرامةٍ ديست بأقذر الأقدام.

عبد الرحمن بن سوري

رجل المجد الضائع أمير مملكة غينيا الإسلامية الذي استيقظ ذات ليلة في ظلمة موحشة ليؤدي فريضة الفجر طاعةً لربه؛ فيجد المدينة من حوله مشتعلة في نارٍ أضاءت الظلمة بظلم الاستعمار، وإذ بمدينته محتلة من الإنجليز، وقد نُقل الملك العزيز عبدًا ذليلًا إلى أمريكا ليعمل عبدًا عند خنزير أمريكي أبيض ٤٠ عامًا قضت على نضارة روحه وقوة جسده، ولكنه أبى إلا أن يقدم شيئًا لأبناء جلدته من العبيد.

فأضحى منارة لهم يعلمهم أصول دينهم وأصول لغتهم العربية؛ حتى ذاع صيته فطلب الرئيس الأمريكي «آدمنز» مقابلته -وكان هذا لأول مرة في التاريخ أن يطلب رئيس مقابلة عبد- ليسمع قصته، واتخذ الرئيس الأمريكي قرارًا بمنحه أو قل بإعادة حريته إليه.

فأصبح ابن سوري حرًّا يفعل ما يشاء، ولكنه بدلًا من العودة إلى غينيا آثر البقاء بين أقرانه من المستعبدين في أمريكا معلمًا لهم أصول دينهم، متجولًا من ولاية إلى ولاية داعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا حتى أحس بدنو أجله؛ فاستقل سفينةً عائدًا إلى غينيا، وعندما وصل إذ به يرتمي بين ثنايات أرضها ساجدًا مصليًا إلى الله، ثم بدأ رحلة البحث عن أمه وعندما وجدها ارتمى بين يديها وامتزج الدمعُ بالدمعِ، وما هي إلا أيام وتوفي عبد الرحمن بن إبراهيم بن سوري.

وها أنا أضع بين يديكم ستة من نجوم في سماء العظمة لم يحلُ للغيوم إلا أن تكون عائقًا أمام ظهورهم، ولم يحتفِ بهم أحد؛ حتى معظمنا لم يكن يعلم بوجودهم، في حين أنه يفتخر بمعرفة الكثير من عظماء -أنا لا أنكر- أمم آخرين، فاستفيقوا واحتفوا واعلموا تاريخ أجدادكم عساه يعيد الكرة مرة أخرى، وفي نهاية المطاف ما هي إلا نصيحة أنصح بها نفسي قبلكم «لا توحدوا مصدر قراءتكم في مجال التاريخ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد