رحل عنا منذ أسابيع الزعيم الكوبي «فيدال كاسترو» مخلفًا وراءه جدلية حول كنهه، هل كان بطلًا قوميًا، بل عالميًا، ملهما لكثير من الشعوب، رمزًا إنسانيًا تدرس سيرته ومسيرته في نظر البعض، أم كان مستبدًا حكم بلده بالحديد والنار، وساهم في تخلفها؛ مكرسًا حكم الفرد، بل امتد لحكم العائلة؟

أعادت وفاة كاسترو النقاش حول حكم الفرد، خاصة وأن منطقتنا العربية زاخرة بهذا النموذج الذي صدر لشعوبنا تحت شعارات مختلفة في الظاهر، لكن مضمونها هو تكريس الاستبداد الذي جثم طويلًا على صدورنا متسببًا في تأخرنا في جميع المجالات، غير أن حالة الحزن التي خلفتها وفاة كاسترو، والزخم الإعلامي الذي رافقها أيام الحداد، تجعلنا نقف أمام إشكالية حقيقية: هل نحن نحب الاستبداد؟

معلوم أن الإنسان تواق للحرية وللعيش في كنفها، وهذا أصل أصيل فيه، وقد جاءت النصوص الشرعية والتجارب الإنسانية لتؤكده «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» الكهف 29، فالحق المنزل من عند الله لا يوجب الإكراه لاعتناقه، بل يعطي حرية مطلقة للفرد؛ ليختار بين الإيمان أو الكفر، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وما تزال كلمة «عمر بن الخطاب» ـ رضي الله عنه ـ ماثلة لكل إنسان «متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»؛ لأن الحاكم في الحقيقة ما هو إلا موظف لدى الشعب، خرج من الشعب، فما الذي تغير، وجعل الأول مستبدًا، والثاني محبًا؟

بالرغم من الفشل الاقتصادي الذي تسبب به كل الزعماء المستبدين المتغطرسين، غير أنه تم تسويقهم بشكل يوحي بأنهم المنقذ الوحيد للأوطان، بل هم الوطن نفسه، من خلال الضخ الإعلامي الكبير لمواضيع هامشية غارقة في الترفيه والاستثمار في مشاكل الناس اليومية   «افتح قلبك، البيت بيتك، من سيربح المليون…» تتخللها مقتطفات لإنجازات الرئيس المستبد ذات الطابع الفنكوشي «مشاريع لا جدوى اقتصادية لها، واتفاقات ترهن خيرات البلدان للخارج، وتجعلها فريسة لكل من أراد»، وبكشف الحساب لإنجازات كل المستبدين الطغاة  في ربوع المعمورة لن تجد لهم إنجازًا يذكر، سوى زيادة عدد الجيوش الموجهة أساسًا للداخل، تحت شعارات متنوعة، يبقى الإرهاب أبرزها في العصر الحديث.

الشعوب بطبيعتها تتوجس خيفة من التغيير؛ لأنها تجهله، وقد قيل في المثل الجزائري «اللي تعرفوا خير من اللي ما تعرفوش» راسمة واقعها بيدها، لكن الشعوب ما هي إلا انعكاس لنخبها، وكلما كانت النخب ناضجة زاد وعي الشعوب بالواقع، وبالتحديات المنتظرة، وبما هو مأمول، غير أن ما نعانيه الآن هو أزمة في النخبة، نخب أغرقتنا في معارك ليست أساسية في المجمل بإيعاز من السلط الحاكمة، بالإضافة إلى هذا هي تعلم حدودها التي يجب أن لا تتجاوزها، وتعرف دورها المنوط بها، عندما تهدد مكانة المستبد، وما حدث في الربيع العربي من إحياءٍ للنقاش التاريخي «نقاش يظهر عندما يهدد حكم أي مستبد» حول الهوية المحسوم أمرها أصلًا»، أزمة تحتاج منا الوقوف عندها قراءة وتحليلًا.

لاشك في أن الاستبداد هو نتيجة حتمية لغياب القانون كما يقول «جون لوك»، غير أن هذا الأخير ما هو إلا نتيجة حتمية لعملية تزييف الوعي بأدوات مختلفة ليست النخب وحدها هي السبب فيه، فقد ساهمت المعارضة بكل مكوناتها في تكريسه بخطابها الذي يتسم بالنخبوية، والذي لا يلامس عقول العامة وانشغالاتهم؛ فأصبحت المعارضة في واد، والشعوب في واد، وبذلك فقدت أهم مقوم لمواجهة الاستبداد، وهو الشعب، كما ساهمت التحولات الكبرى في تاريخينا الإسلامي في صناعة هالة كبيرة حول الحاكم «ولي الأمر»، من قبيل عدم جواز الخروج عن الحاكم مهما كان مستبدًا وظالمًا لشعبه، وناهبًا لخيراته مخافة الفتنة، دونما تحديد دقيق للفتنة، وفي إهمال صريح لأهم مقاصد الشريعة الإسلامية «حفظ المال وحفظ النفس».

إن ما كرسه الاستبداد في منطقتنا هو إضعاف الجبهة الداخلية، ولن آت بجديد لو قلت إن الاستبداد هو بوابة الاستعمار الجديد الذي نعاني منه، لكن ما كان للاستبداد أن يسود، لولا وجود القابلية له بتعبير المفكر الجزائري «مالك بن نبي» رحمة الله عليه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاستبداد
عرض التعليقات
تحميل المزيد