لم أر في حياتي يأسًا يُعادل يأسَ صنفيْن: جمهور نادي أرسنال الإنجليزي، ومدخن ابتلاه الله بالسيجارة، المتابع لعالم الكرة سيفهم لماذا أرسنال بالذات، وأما من ابتلي بالتدخين فهناك فئة يغلب أمرها التبرير وتزيين المعصية، في يوم 31 مايو من كل سنة، يحق لكل سكان العالم الاحتفال باستثناء المدخنين. ببساطة لأن هذا هو اليوم العالمي لمكافحة التدخين، لكن للأسف يحتفل المدخّن في البلاد العربية في كل أيام السنة، لأن الهواء هواءه والأرض أرضه، وأغلب القوانين التي تمنع التدخين في الأماكن المفتوحة ما زالت «ستدخل» حيّز التنفيذ.

تتجه دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول المتقدمة إلى خلق إنسان برئة سليمة، عكس العالم العربي -فهنا الذي لا يموت بصاروخ «الثورات» يموت بفعل سيجارة-. لائحة حظر التدخين تضم الفنادق، والمطاعم، وبيوت الضيافة، ومحطات السفر، ومحلات الحانات، والمقاهي، والحمامات العامة، ومحلات التجميل، والمسارح، وغرف الاستجمام، وقاعات الرقص، وقاعات الحفلات الموسيقية، والملاعب المغلقة، وحمامات السباحة المغلقة، والحدائق العامة، وقاعات المعارض، والمتاحف الفنية، والمكتبات، ومتاجر التسوق، والنقل العام، وغيرها. في الصين تحظر الحكومة مشاهد التدخين المتكررة في الأعمال الفنية والأفلام. في حين العكس يحدث في الوطن العربي، فكل تلك الأماكن غالبًا ما يُزاوَل بها التدخين، ومع أول «شفطة» سيجارة يخسر المدخّن الإحساس الاجتماعي بمن حوله، يهتك حُرمة المكان ليذهب لتلويث مكان آخر.

وكما أسلفنا فإن القوانين خجولة وغير رادعة، بيد أن هناك حكومات بدأت فعليًّا نظام «الضرب في الجيب» للحد من الظاهرة، 5000 دينار جزائري غرامة التدخين في الأماكن العامة، وتدر غرامات التدخين في الأماكن العامة في تركيا 21 مليون دولار. إذًا بشكل بديهي فإن نظام الغرامات فرصة ذهبية لكسب المال، وفرصة خروج من مديونيات الدول العربية، إن كانت الحكومات لا تبدي أي اهتمام بصحتنا، فهي بطبيعة الحال تلهج في البحث عن مال. تستغربون من كثرة الحلول مع قلة العمل بها، فأغلب القوانين بقيت حبرًا على ورق في ظل غياب إجراءات ردعية مرافقة لها؛ مما جعل المواطن العربي يشك في نوايا حكومته إزاء صحة المواطن، وحفظ جنسه من الانقراض.

يرُد نادل في مقهى بمدينة مدريد: «ستؤثر هذه القوانين على عملنا لأن الناس الذين يأتون إلى هنا يحبون احتساء القهوة وتدخين سيجارة… الوقت ليس مناسبًا لتغيير القانون، نستطيع أن نغيره حينما يتحسن الاقتصاد وليس الآن». وعلى فقهِ هذا النادل العفوي، فالغريب أن «السيكارة» أصبحت مكمّلًا غذائيًّا بعد المنسف الأردني، أو مع القهوة السادة، يقول شاب: «آآآآآآه، سيجارة على الزفر، تعدل الدنيا وما فيها»، نسي هؤلاء الشباب أن الدخان لا يُسمن ولا يُغني من جوع كطعام أهل النار، يقول الشاعر مصطفى حدري هاجيًا السيجارة: حرام أن تُضيع العمر فيها.. وتعلم أنها كالأفعوانِ، نطيع نفوسنا فيها ونعصي.. نداء الله والسبع المثاني، وكم قال لنا الطبيب: دعوها .. وسوءتها تبدّت للعيانِ، وما زلنا نبيح لها حمانا .. لتطعن في الضلوع بلا سنانِ، هي الخزي العظيم فلا تذقها .. وأبعدها إلى أقصى مكانِ.

المشكلة ليست حصرًا على مئة ألف تركي يموتون سنويًّا، وليس على وجود 300 مليون مدخن في الصين، إنما يتسرب الخطر إلى باقي الشعب الذين يتعرضون لدخان التبغ بشكل دائم، وهذا ما يعرف بالتدخين السلبي الذي قد يسبب المرض والعجز ولربما الوفاة. شخصيًّا إن كل آمال بناء أطفالي بصحة جيدة تؤول إلى الفشل بسبب عدم توفر أماكن كافية خالية من التدخين. للآسف أصبحت جُل الأماكن غير آمنة، أصبح بديهي أن تدخل منزل أو مركبةٍ ما لتشم روائح السجائر، هذه الرائحة النتنة تلحقك في كل الأرجاء، تنتشر كالنار في الهشيم، تستقر على ملابسك في نهاية اليوم.

لم نعد نطالب بترك التدخين، شرط أن تفسحوا لنا المجال في حرية عيش يخلو من النيكوتين الخاص بكم، الأبرياء الأنقياء مثلي يعيشون حياة اللاجئين هربًا بهرب، أكاد أجزم أن الدخان هو أول معصية كونية تم الاتفاق على «تقبلها» لدى الوسط الاجتماعي والعرفي، ومنذ أن كان الدخّان يستهدف النفس والعقل والمال والدين، فلا يجد لا شيوخ الأمة ولا الفقهاء (حنابلة-شافعية- مالكية- حنفية) حرجًا في تحريمه، يقول الشيخ محمد الحامد في كتاب «ردود على أباطيل» عن الدخان: «وقد التزمت خطة، هي أنني لا أقدمه لضيفي، وأعتذر بأنه سُم، ولا أحب أن أسم ضيفي، ويستأذنني بعضهم فأنكر عليهم، وفشوّهُ بين الناس لا يخفف من حكمه، ألا ترى أن عموم الربا في المعاملات لا يحله؟».

إطلاق فكرة: «لم نعد نطالبكم بترك التدخين» لن توقفنا عن النقد، نخاف عليكم بصراحة، نخاف علينا، نخاف على الأمة الإسلامية والعربية المقبلة على معارك مصيرية سوف يندحر بها الاستعمار إن شاء الله، نريدكم بصحة وعافية جيدتين لئلّا تلهثوا في أول الأمتار، نريد أن تكون الأيدي متوضئة، مستخدمةً السواك لا إصرار ومواظبة على التبغ، فالإصرار والمواظبة خطايا مطوقةً في أعناق الرجال. أعلم أن هناك ألف سبب لهلاك عافية الشباب، لكن رجاءً لا تقارنوا ولا تبرروا، فالتدخين إن لم يسبب وفيات بذاته فهو مهيّج لأمراض أخرى، وإن لم يضر الدخان أجساد بعض المدخنين فقد أضر بماله وأعصابِه، ولربما بأجساد من حوله.

يكفي رائحته النتنة وسواد الأسنان وإفساده للهواء الذي منحه الله صافيًا للناس. فالنافخُ بالكير مثله مثل موقد الحداد، إما أن يحرق ثيابك بسيجارته أو أن تجد منه رائحة الدخان الخبيثة. آخر صيحات تبرير التدخين انطلقت ممّن يبتدع الحرج في التدخين أمام والده احترامًا ووقارًا، ولا يتحرج التدخين كل الوقت امتثالًا لأمر الله! وشاب يصف حاله: «أنا بدخّن بس مش مدمن»، ذكرني بعميل الاستخبارات الإسرائيلية عبد الحميد رجوب عندما صرّح قائلًا: «مفش منا احنا جواسيس.. احنا عملاء». لا فرق سيدي العزيز، الأمر وإن كان سيئًا لا يجعلنا نلعن المدخن بذاته، لا نريد تصفيته من المجتمع بقدر ما نريد أن نبني مستقبل يلعن هذه العادة. إن لم تكن صحتكم مهمة لكم، فأنتم مسؤولون عن صحتي وصحة البشر غير المدخنين، وحينما يهتم المدخن بصحة غيره يرفعه الوعي، وحينما يرتفع الوعي سيقل المدخنون، وهذا يعني انخفاض في عدد الوافدين على المستشفيات، وبالتالي المزيد من المساحة للمرضى الآخرين، وبالتالي المزيد من المال للحكومة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد