أحيانًا أتساءل عن جدوى ما قمنا به خلال السنوات الماضية، هل استحق الأمر حقًّا هذا الكم غير المحدود من التضحيات؛ لأجل أناس لا يهتمون أصلًا لمعاني كالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وجل ما يشغل بالهم من يرمي لهم بفتات الخبز، ولا يأبهون بما يسرقه من ثروات بلادهم!

أيستحق هؤلاء أن نضحي بحياتنا من أجلنا وأجلهم، ونقتل وحدنا، أيستحق هؤلاء دماء إخوتنا، أيستحقون أحكامًا بآلاف الأعوام تضيع من أعمار شبابنا، أيستحقون الليالي السوداء التي قضتها صديقتي العروس خلف جدران دولتهم البائسة؟ قطعًا لا يستحقون.

من سيدفع ثمن أوجاعنا التي إلى الآن تبدو بلا قيمة، من سيداوي نزيف قلوبنا على أصدقاءٍ فقدناهم في غمرة احتياجنا إليهم.

هل سيداويها رجال سياسة فاشلون، أم رؤساء أحزاب وبرلمانيون مدعون للثورية وهي براء منهم، أم نخبة فاشلة أورثتنا انقلابًا غاشمًا، أم ربما يداويها رجال دين تلطخت عمائمهم ولحاهم وصلبانهم بالدماء وصاروا عرائس في يد كل نظام مستبد؟

ربما أخطأنا حينما وثقنا بالسياسة ورجالها، وحينما صنعنا رموزًا لا تستحق أن توصف بالوطنية، ومنحناها قدرًا أكبر من قدرها لتستغل حماستنا واندفاعنا حينًا لمصلحتها، ومن ثم تقف لترقص على دمائنا حينًا آخر، ونصير سُلمًا للوصول لمطامعهم لا غير.

أفكار تملأ رأس الكثيرين ممن وضعوا على عاتقهم تحرير بلادهم من براثن فسادٍ متوغل منذ عشرات السنين، والحصول على حرية كاملة غير منقوصة تحت سقف وطنٍ يحترم أبنائه، وطن ترتعب أجهزته خوفًا من المساس بأي مواطن لا أن تخاف من إيذاء «الأجانب»، وتتخذ من مواطينها ساحة حرة لممارسة رغباتها السادية الاستعمارية، وتجربة كل جديد في أنواع الطلق الناري والغاز المسيل للدموع.

وطنٌ يجعلنا نرفع رؤوسنا فخرًا، لا أن ننكسها جراء تخلفه في مختلف المحافل والمجالات، ونعتز بتاريخنا وبقضايانا القومية والعربية، لا أن نصبح أول المطبعين والداعمين لعدونا، وأول المتخاذلين مع إخوتنا في العروبة.

وطنٌ يحفظ كرامة أبنائه في الخارج قبل الداخل، لا أن يعود أحد أبنائه جثة هامدة مقتولًا في الخارج بلا حساب أو عقاب.

في الفترة الأخيرة بدأت أُصاب بالنفور الشديد من الشعارات الرنانة فارغة المضمون وغير الواقعية، والتي يرددها من يدمرون الوطن أصلًا حتى أفقدوا الكلمات معناها، وانتهت بالنسبة لي كلماتهم المشوهة من قاموسي، وأصبحت معبرةً عن من يتشدقون علينا بمعاني الوطنية والتضحية ويمارسون عكسها.

حقيقة لا أدري عن أي وطنٍ ووطنية يتحدثون، ولا أدري حتى ما مفهومهم للوطن والوطنية؟!

الوطن ليس بأبنيته العالية وأجهزته الإدارية المختلفة، ولا بجيشه ولا شرطته، ولا حتى بمن يتقلدون زمام الأمور، الوطن أُناس يعيشون تحت كنفه بأمان مصانة حقوقهم، علماء وأطباء ومهندسون في ساحات عملهم، لا تحت مقاصل المؤبد والإعدام، وشباب وطلاب في جامعاتهم لا خلف قضبان تغيبهم بالسنوات عن مقاعد دراستهم، هذا هو الوطن الذي أعرفه ولا أعرف غيره، ولا أحترم أدنى منه درجة واحدة.

لا يهمني كثرة المتخاذلين والجبناء الذي يعرفون الحق ويتجنبونه خوفًا؛ بل ويحاربونه ويقفون مع الظالم ضده، فالحق حق، الحق ما قام عليه الدليل لا فيما تعارف عليه الناس، وإن كثر عددهم.

ولهذا سنظل نحن أصحاب الحق نقاتل وحدنا، سنموت واقفين خير لنا من أن نموت تحت رحمة خائنين، ولكن عندما ننتزع حقوقنا وحقوق وطننا سيكون لكل من ساند ظالمًا نصيب من عقاب، فأمة تطعن حاكمها سرًّا وتعبده جهرًا لا تستحق الحياة -كما قال جمال الأفغاني- فليس من قاوم وضحى بنفس مكانة من اتبع البضاعة الرائجة، وآثر السلامة، واتبع من بيده مقاليد الأمور وحتى إن كان نحن، فنحن لن نحاسب على «مشاريب» أحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد