عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ.

تقترب الساعة من السابعة والنصف صباح يوم الأربعاء الموافق يوم الرابع عشر من أغسطس لعام 2013. كنت على موعد مع صدفة ربما هي أسوأ الصدف التي مررت بها في حياتي. لا أعلم إن كانت حقًا صدفة، أو كان قدري أن أشهد في هذا اليوم على أكبر جريمة ضد الإنسانية في التاريخ الحديث.

كنت متوجهًا إلى جامعة القاهرة لتقديم بعض الأوراق الخاصة بامتحانات شهادة معادلة الدبلومات الفنية. انتظرت هذا اليوم كثيرًا لأنه تم تأجيله مرتين قبل هذه المرة، لذلك قررت الذهاب في وقت مبكر قبل أن تزدحم الطرق وأتأخر عن موعد فتح الأبواب وأضطر إلى السفر مرة إضافية في هذا الجو شديد الحرارة.

حين وصلت لبوابة جامعة القاهرة الرئيسية من جانب محطة المترو لم ألاحظ شيئًا غريبًا يلفت النظر، إلى أن اقتربت من البوابة، وجدت أفراد أمن الجامعة يخبرون الناس من خلف الأسوار الحديدية أن الجامعة مغلقة اليوم. أحزنني الأمر كثيرًا وأغضبني في نفس الوقت، سوف أتكلف عناء السفر والاستيقاظ باكرًا مرة أخرى.

في حين كان بعض الناس يصرخون في وجوه أفراد الأمن لكي يفتحوا الأبواب اللعينة، كان صوت المروحيات يدوي في السماء ليفرض نفسه على أي صوت آخر. سحب الدخان كانت تزداد كثافة مع علو صوت إطلاق النار وقنابل الغاز. لحسن الحظ كان الطريق المؤدي لميدان النهضة مغلقًا بالمدرعات والأسلاك الشائكة وحركة المرور متوقفة تمامًا. أهو حسن حظ حقًا؟

على جانب الطريق الآخر المواجه لبوابات الجامعة الفرعية (باب كلية التجارة) كان هناك بعض التجمعات الصغيرة. اقتربت منها فوجدتهم يشاهدون البث الحي لفض الاعتصام في ميداني رابعة والنهضة على التلفاز الخاص بالقهوة. كانوا يشاهدون في صمت وتركيز. لا أعلم إن كان استمتاعًا بما يجري على الشاشة أم ذهولًا، أم هم في حيرة من أمرهم، مثلي أنا. ماذا علينا أن نفعل الآن؟

قطع شرودي في البحث عن الإجابة صياح وشتائم قادمة من خلفي، استدرت لأرى ما يحدث. كان عامل القهوة يتشاجر مع شخص من الواقفين يشاهدون التلفاز، ما فهمته أن العامل طلب منه أن يجلس ويطلب شيئًا يشربه «عشان الاصصباحة» لكن هذا الشخص رفض وطلب منه هو الآخر أن يجلس باقي الواقفين أولًا ثم سيجلس هو من نفسه.

فض الشجار بعض المواطنين الشرفاء الذين كانوا يريدون أن يستمتعوا بالمشاهد المؤثرة في صمت بدون أصوات تفسد عليهم اللحظة. بدوري لم أجلس مثلما طلب العامل منذ قليل لكن ليس مكرًا أو عنادًا، وإنما لأن لم يعد هناك موضع قدم في القهوة، كأنه نهائي دوري أبطال أفريقيا!

أثناء وقوفي في هذه اللحظة كان يتردد صوت أشعر أني أعرفه ومألوف لدي يقول «عملية الفض تتم بقرار من النيابة العامة وبحضور وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية». كانت الشاشة توضح مشاهد للجرافات وهي تنتزع خيم المعتصمين وتدمر ما بقي من متعلقاتهم، من خلفي كان صوت إطلاق النار يزداد، والهتاف يحتضر، الدخان يتصاعد بكثافة ويصبح لونه أكثر سوادًا، بينما المروحيات ما زالت تحلق على مقربة من الرؤوس، وأمامي أناس جالسون يشربون شايًا بالحليب ويتبادلون الحديث في مصير من هم على بُعد كيلومترات.

كان مصيرهم معلومًا، أو مجهولًا بالنسبة للجثث عديمة الهوية، وبالنسبة لأقارب المفقودين حتى اللحظة لا يعلمون أهم على قيد الحياة معتقلون أو هاربون، أم أن أحدًا وارى أجسادهم التراب.

أعترف أني لم أكن مشاركًا يومًا ما في أي حراك سياسي، أو دعوت مرة للسير في مظاهرات الجمعة. لكن لا أنكر حقيقة رغبتي في المشاركة في هذا الاعتصام إن كانت سمحت الفرصة. ليس رغبة في اتباع توجه سياسي على قدر ما هو رغبة في إبداء الإعجاب بهؤلاء.

لم أطِل الوقوف كثيرًا، سريعًا ما شعرت بألم في قدمي، وإن كان الألم في داخلي أشد والجرح أعمق. رجعت من حيث أتيت، وفي طريقي كان كل شيء يبدو طبيعيًا. في الحقيقة كنت أتوقع أن الدنيا ستقوم ولن تقعد وستشتعل الأجواء ولن يكون في مقدور أحد أن يطفئها. لكن هذه المرة كنت على خطأ، وبالمناسبة لم تكن الأخيرة.

تصورت أني سوف أذكر هذا اليوم إلى آخر عمري وسوف أحكيه إلى أبنائي وأحفادي، لكن ذاكرتي خيبت ظني، أو ربما ليس ذاكرتي فحسب. لماذا يبدو أني أتخذ الأمر على محمل من الجدية والأهمية هكذا؟ هل هو يستحق؟

هل يبرر الاختلاف السياسي أو المذهبي أو العقائدي التّشفي في جارك أو صديقك المعتقل والمقتول؟ هل يستطيع التحريض أن يملأ صدورنا بالحقد والكره ليس فقط لإطلاق النيران على أحدهم، وإنما حرق جثثهم أيضًا؟

هل أصبح تأثير الإعلام والميديا قادرًا على أن يعمي أبصارنا وبصيرتنا؟ هل أصبحت إراقة دم إنسان مثل سقوط كوب من الكركديه على الأرض؟ بالطبع لا، الكركديه أغلى.

في النهاية أعلم أن عامل القهوة لم «يستصبح» بعد هذا اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد