– يا بنتي، كل صديقاتك تزوجن إلا أنت.
– كل إجازة تأخذينها، نظن أننا سنحتفل بخطوبتك أو زواجك.
– كل سنة جامعية تمر ونقول هذه السنة ستكون خطوبة، والعرس نحتفل به مع التخرج.
– يا بنتي ماذا تنتظرين، قطارك فات، وعمرك يزيد، وأنت ما زلتي تقولين إن الزواج آخر اهتماماتك.
– يا بنتي أولاد الحلال كثر وما زالت الدنيا بخير، لماذا تعتقدين أن الزواج شر، والسواد الأعظم منه مشاكل وهموم؟

– تتذكرين زميلتك ليلى أيام الثانوية، تزوجت وهي الآن أم لولدين، رزقها الله بالأولاد، «مسكينة تريد بنت وما كتب ربي».

هذه مقتطفات من بعض العبر والحكم التي تتلوها أمي الغالية على مسامعي في كل إجازة أقضيها معها؛ رغبة منها في أن تتغير اهتماماتي ويصبح الزواج في مقدمتها، وكأن العنوسة غدت شبحًا يتوجب مطاردته كي لا يتغلغل أو يتسلل إلى بقية أخواتي.
قادني الفضول إلى البحث عن كلمة عانس، فكانت ويكيبيديا أول الاقتراحات، إذ إن كلمة عنوسة هو تعبير عام يستخدم لوصف الأشخاص الذين تعدوا سن الزواج المتعارف عليه في كل بلد، وبعض الناس يظنون أن هذا المصطلح يطلق على الإناث فقط من دون الرجال، والصحيح أنه يطلق على الجنسين. ولكن المتعارف عليه مؤخرًا هو إطلاق اللفظ على النساء في الأغلب.
وفي مجتمعي تخشى الأمهات عنوسة بناتهن أكثر من خوفهن على أن يندمن على زواج لم يكنّ مستعدات له، ويعتبرنها فضيحة يتحدث بها نسوة الحارة طالما ظلت العانس عازبة دون أن يطرق رجل الباب لطلب يدها.

هل فعلًا عيب؟ أن تضع الفتاة المتعلمة والحالمة بمستقبل أفضل الزواج في ذيل الأولويات، لتركز على بحث جامعي وأهداف أخرى لا تقل أهمية عنه، وتترك شهادة الزواج حتى يحين موعدها.
باتت كلمة عانس لفظًا يقتصر على الفتيات دون أن يكون للرجال منه نصيب، ولم أسمع يومًا أن فلانًا عازب حتى وإن تعدى عمره أو اقترب من الأربعين سنة دون أن يفكر في الزواج، لأن ظروف عمله تمنعه أو أمر مهم آخر يقف عائقًا أمامه.
كما لا تحضر عبارة «الزواج قسمة ونصيب» في بال أمي إلا عندما يتعلق الأمر بزواج أحد أبنائها، وكأننا نحن البنات خلقن لنتزوج ونعمر بيوت رجال كانوا يومًا غرباء عنا.

في أحد الأيام حاولت إقناع أمي أن الزواج غير وارد على المدى المتوسط، وأن ذاك الشخص الذي وضعته في مخيلتي في مرحلة المراهقة ما زلت أنتظر لحظة قدومه على فارسه الأبيض ليطلب يدي، ويأخذني معه بعيدًا إلى جزيرة خالدة، فلا الفرس سيأتي ولا ممتطيه.

تستفزني مقولة «مهما حققت المرأة من إنجازات وشهادات يبقى زواجها وأبناؤها هم أكبر شهادة تحصل عليها». فماذا سيحل بي إن لم أتزوج، الويل، الخراب، العذاب، وسخط المجتمع، أم أن أولياء أمورنا يخشون من نظرة المجتمع للعانس وحديثهم المتكرر واللا متناهي عنها أكثر من أي خطر آخر، حتى أصبحت عنوسة الفتاة وتركيزها على مسارها الجامعي جرمًا تعاقبها عليه العادات والأعراف البالية.
وما معنى أن تصل الفتاة عمر 25 سنة دون زواج أو خطوبة ويتم اعتبارها عانسًا، فاتها القطار، وكأن الله كلف قطارًا بجلب عريس لكل واحدة منا في موعده، ووضع حدًّا للزواج وعمرًا إن وصلته الفتاة فمرحبًا بها في حضرة العنوسة، والانضمام إلى جموع العانسات وانتظار عريس لم يتمنه المجتمع لها.
هل أتى على مجتمعنا دهر يحكم فيه قطار الزواج على عنوسة فتاة اختارت تحقيق طموحات رسمتها على ورق عندما كانت طفلة، حينما كانت تخط أحلامها على دفترها المدرسي وتضع نفسها بموقع طبيبة أطفال، معلمة تعلم أطفالًا وتصنع منهم رجالًا للغد.
صديقتي العانس، لا تكترثي لتفاهات كهذه، اصنعي مستقبلًا مشرفًا لك، واتركي بصمة في مجتمعكِ، واعلمي أن التغيير بيدكِ، فأنت مربية الأجيال، فلتواجهي عزيزتي انتقادات المجتمع بأذن بلاستيكية، لا تأخذيها بعين الاعتبار، فأقل من يمكن أن يقوله المجتمع عنكِ أنكِ اخترت مواجهة الحياة لوحدكِ، لأنك قادرة على مواجهتها وتخطي عقباتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزواج, عوانس
عرض التعليقات
تحميل المزيد