“لا شيء صعب بالنسبة للشباب” جملة خالده لسقراط، والحقيقة أنك إذا أجهدت نفسك قليلا بالبحث في سجلات الأمم، ستجد الكثير من المؤشرات والدلائل على صدق هذه المقولة التاريخية، حتي وإن حاول من هم في أوطاننا العربية ممن يشتهون تزييف الحقائق وقلب المفاهيم طمس هذه الفصول المضيئة من التاريخ.

قامت ثورات “الربيع العربي” في الأساس على أكتاف شبابها، الذين طالما آمنوا بالفكرة وأخلصوا لها، معتمدين بالمقام الأول على روح الحماسة التي تميز هذه المرحلة العمرية غير مكترثين بالنتائج أو الحسابات التي ستؤول لها هذه الخطوة، كان الحب البكر لأوطانهم والأمل في حياة أفضل والإيمان بأن الشباب عماد الأمم بمثابة المحرك الأساسي لهم، ولكن تأتي دائما الرياح بما لا تشتهي السفن.
هناك مقولة إنجليزية تقول “أن الخطوة الأولى هي الأصعب دائما، توقف عن التفكير فيها.. فقط عليك إنجازها”.

آمن الشباب بالفكرة، فتشبثوا بالأمل، فثاروا، فتآمر عليهم تجار الشعوب ومرتزقة الأفكار وأباطرة الثروة.

وكما قال أرسطو “يسهل خداع الشباب لأنهم يستعجلون الأمل” وجد الشباب أنفسهم ضحية لسجالات لا ناقة لهم فيها ولا جمل وتحيد عن مسارهم الذي أقروه، فتحولت الأحلام الوردية المراهقة إلي كوابيس ليلية بشعة، وحرب ضروس غير متكافئة الأطراف.

من أهم أسباب الفشل في الحروب، هو ألا تعرف عدوك، والحقيقة التاريخية تقر وتؤكد أن أخطر أنواع الأعداء هم من يأتون من الداخل، فبينما ينفرد عدوك بدراستك، ووضع الإستراتيجيات والتكتيكات لهزيمتك، يتركك أنت الشاب الطموح الذي تلهبك حماستك الصادقة وإيمانك بفكرتك تلهث وراء آثاره، فتتوه وجهتك الأساسية وهي محاربته وتتحول إلى معاناة تتمثل في إيجاده من الأساس، وكشاب مراهق في مقتبل العمر من المفترض بدلا من أن يكون هائمًا حبيبًا، وجد نفسه طريدًا حبيسًا، فأصبح يستقبل خطابات الاعتقال بدلا من الخطابات الغرامية، وبدلا من أن ينطلق صباحا للبحث عن طموحه، اكتفى بالبحث عن صديق له على أبواب المشرحة أو السجن، وبدلا من أن ينتظر قرار تعينه بالوظيفة، ارتضى -شاء أم أبى- انتظار قرار السجن أو قضاء النحب.

فجاءت النتيجة الطبيعية صارخة، تحولنا بالتدريج إلي أشباح، تستهوينا الوحدة، مفعمين بالإحباط، مفقودين في بحور الاكتئاب، مُثقلين بهموم لا يتحملها من شاخ وقضى عمره بين جنبات الحكمة.

لو لم يعلم هؤلاء أهمية الشباب في الحراك وتسطير مستقبل الأوطان ما حاربوهم، لو لم يعلم هؤلاء أن قوة صدق الإيمان بالأفكار تطغى على قوة الرصاص والبارود ما حاربوهم.

فنحن وجدنا راحتنا في زنازيننا وقبورنا وأنتم وجدتموها في أسرتكم المرصعة وقلاعكم المحصنة، وبالرغم من كوننا مكبلين بالأصفاد إلا أننا لا نزل نشكل التهديد الحقيقي والأوحد إزاء الخطط المحكمة للسيطرة على مفاصل هذه الأمة، وهذا هو قمة العدل الإلهي، فهل يستوي من يحارب من أجل قضية وهو متسلح بإيمان صادق، بالمتسلحين بالجهل والبطش والتملق.

فالعار كل العار لمن يزال ينسي -أو يتناسي- دور الشباب في نهضة الأمم على مدار التاريخ، وحديثا لنا في حكومة الإمارات الجديدة الأسوة الحسنة، فإن كنت في غفلة تصدق الأكاذيب المزعومة من حولك، فأدعوك بصدر رحب لأن تعود إلى التاريخ؛ فالتاريخ لا يكذب مثل الجميع.

 وإلى المتشدقين بالحريات، والمتملقين بالديمقراطية، والراقصين على الجثث، وطيور الظلام،

صدق أو لا تصدق، إن الزنازين ليست المكان الأمثل للتقدم، والقبور ليست بالمكان المثالي لصنع النهضة، والقمع جريمة وليس حصصا ترفيهية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد