الاتساق مع المبادئ والقناعات والأقوال  والأفعال شيء لا غنى عنه وهو معيار نزاهة ومصداقية  أي شخص.

المؤكد أن أردوغان سيرحل يوما ما بالطريقة التى أتى بها، وستبقى الديمقراطية التركية (طالما لها حُراسّ)  هذا ما يفهمه ويريده الشعب التركي والنخب التركية.

تواصل الشد والجذب على خلفية الإجراءات التي يتخذها الرئيس التركي  والحكومة التركية مُعَززة بالبرلمان، إلا أن الصادم في الأمر هو مواقف سياسيين وأكاديميين ونشطاء مصريين، هؤلاء الذين يحللون الأوضاع في تركيا بحسب أهوائهم وليس حتى بأيدلوجياتهم أو مهنيتهم، وإلا فكيف بحقوقي يبدى فرحاً بالانقلاب التركي معلقا: «أردوغان حيلبس الجلابية»، أي مبادئ حقوقية تؤيد الإطاحة بحكم مدني بالدبابة.

بدأ الأمر حينما شكك كثيرون في أن ما حدث هو «تمثيلية» من أردوغان ليبرر مما خطط  له سلفا  للإطاحة بمعارضيه، ذهبوا في كل اتجاه لإثبات أن ما حدث مخطط له بعلم أردوغان، رغم أن المعارضة التركية (ألد أعداء اردوغان سياسيا)  لم يقولوا بمثل هذا، بل سموا ما حدث باسمه (انقلاب عسكري) ووقفوا ضده منذ البداية وقبل أن يُدحر الانقلاب، ثم كيف  لأردوغان أن يقنع اليونان (التي تحاكم 8 عسكريين أتراك) عدوة تركيا التاريخية بأن تشارك في التمثيلية الأردوغانية.. سؤال مطلوب الإجابة عليه ممن ادعى بمسرحية وتمثيلية الانقلاب.

وصل العواء السياسي بالبعض إلى أن يدافع عن إسلاميي تركيا (ولست ضد هذا) لكن يكون نفس الشخص ممن يعادى الإسلاميين في مصر فإنها شيزوفرانيا سياسية واضحة تلك التي تجعلهم يعادون الإسلاميين في مصر ويدافعون عنهم في تركيا.

 

هؤلاء حتى لم يطالبوا بمحاسبة الانقلابيين ابتداء، لم يطلبوا محاسبة من قتل الأتراك بالطيران ودهسا بالدبابات و بالرصاص، على ما يبدو أنهم متأثرون بحالتهم أثناء وبعد انقلاب مصر في يوليو 2013 حينما جلسوا يَنتظرون ويُنظرون، حينما حضروا عفريت الانقلاب في مصر وابتلعوا ألسنتهم وخرسوا على انتهاكات العسكر،  وتشدقوا بأنه ثورة وليس انقلابا – تراجع بعضهم واستحمر البعض – ثم يقولون أن الحاكم الدكتاتور لابد أن تقوم ضده حركات رفض ومقاومة وانقلابات في تبرير أحمق لفعل همجي، لا يشي سوى بمكنونات نفوسهم الضعيفة ومبادئهم الهشة.

لم نسمع لهم ضجيجا مثل حالهم الآن عن عقوبة الإعدام، مئات المصريين حُكم عليهم بالإعدام ظلمًا ولم يقف أحد ضد عقوبة الإعدام ولو من منطق حقوقي، يقبلون الإعدام لخصومهم المصريين بدعوى «متطلبات المرحلة» ويعارضونه في تركيا لكرههم لأردوغان (وهم غير مطالبين بحب أو كره اردوغان، هذا أمر يخص الأتراك وحدهم ولا شأن للمصريين فيه خصوصًا في شئونهم المحلية)، حقوقية مزدوجة حينما يرفضون الإعدام في تركيا  ويقبلونه في مصر.

اللامنطق يحكمهم أو كما وصفه البعض بـ «كيد نسوان خايبة» تجاه تركيا.

هم مطالون بتوضيح ما هو الإشباع النفسي والسياسي والحقوقي الذي يحققه لهم انقلاب تركيا أو فشل أردوغان، نحن في حاجة إلى إجابة من هؤلاء وعن «ماذا كان سيفعل الانقلاب في تركيا إن نجح؟ وماذا كان سيفعل الانقلابيون تجاه رافضيهم؟ وما موقف أصحاب الألسنة الطويلة حينها؟» رغم أن سلوكهم وأفعالهم إبان الانقلاب في مصر تشي بموقفهم المتوقع في حال نجاح انقلاب تركيا.

ألم يستحسن البعض فظائع الانقلاب في مصر طالما أنه ضد خصومه وضد الإسلاميين، ألم يحرضوا على مزيد من سفك الدماء، ماذا فعلوا تجاه الانقلابيين في  القضاء والشرطة والجامعات والوزارات والحكم المحلى وفي كل مؤسسة وهيئة مصرية.. صمتوا، ألم يُنكل الانقلابييون بزملائهم الرافضين للانقلاب في كل ما سبق، أين أساتذة الجامعات المعارضون للانقلاب؟ أين القضاة الرافضون للانقلاب، صمتت الألسنة عن كل هذا والآن طالت أضعاف حجمها الطبيعي تجاه الإجراءات الأخيرة في تركيا.

ليس الغرب فقط ولا النظام وحده الذين يكيلون بعدة مكاييل بل بعض الحقوقيين وأغلب السياسيين وجُل النشطاء يستخدمون نفس النهج.

الشعب التركي الذي كسر الانقلاب يستطيع خلع أردوغان – الطاغية بحسب تعبير طوال الألسنة – إن أراد، لكن على ما يبدو أن الشعب التركي لا يريد هذا ويريده بعض المصريون.

لماذا لا تعلنوها صراحة أن الديمقراطية إذا أتت بأحد غير أنفسكم ومَن على هواكم عارضتموها، أليست الديمقراطية هي ما أتت بأردوغان لماذا تؤيديون رحيله بغيرها؟ أليست الديمقراطية هي ما أتت بتريزا ماي (المؤيدة لقتل 100 الف نفس بالسلاح النووي) في إنجلترا، هل تستطيعون أن تصبوا نصف وابلكم على أردوغان تجاه تصريح تريزا ماي، أليست الديمقراطية هي التي ربما تأتي بترامب اليميني المتطرف رئيسا لأمريكا وماذا سيكون موقفكم حينها؟

أخيراَ.. على المصريين ان يهتموا بانقلاب مصر الناجح وتبعاته الكارثية أكثر من اهتمامهم بتبعات انقلاب تركيا الفاشل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد