إن واقع المجتمع المدني والثقافة السياسية وممارستها المحلية يتأرجح بين: الطموح الذي يسعى الكثير من السياسيين إلى تحقيقه، وبين الأمل الذي ينشده ويؤمن به المواطن الممارس للعملية السياسية حسب موقعه، وبين النظرة الضيقة المحدودة التي يتشبث بها عامة الناس؛ والتي تعتمد في كثير من الأحيان على مبدأ «عُشّر وعشيرة ومعاشرة».

إن المتتبع للساحة السياسية _ إن صح القول _ لبلدية عين البيضاء بورقلة. يرى أن هناك حراكًا سياسيًّا وحتى اجتماعي حثيث؛ تحضيرًا لموعد محليات السنة المقبلة. كما حدث مع المحليات السابقة التي جرت بتاريخ: التاسع والعشرون من نوفمبر سنة 2012. والتي أفرزت في اعتقادي مجلسًا بلديًا لا يعكس تطلعات قاطنة البلدية.

المتتبع لذلك الحراك يدرك أن هناك أطرافًا تسعى جاهدة لإيجاد شخصيات محلية تلقى إجماع لدى كافة أطياف المجتمع. من ذوي الكفاءات، وذوي السير والسرائر الحسنة، والشخصيات ذات السمعة المهنية والخبرة العملية في مجال الإدارة والتسيير. هذه المبادرة والمجهودات المبذولة من أجل تنمية المنطقة، ولإيجاد حلول للمشاكل التي تتخبط بها البلدية. لقيت تثمينًا وترحيبًا من قبل العديد من المواطنين.

في المقابل ومن جهة أخرى نجد جهات كثيرة تريد تكريس الرداءة سواء بقصد أو بغيره، بنية مسبقة أو من عدمها؛ جراء ما يقوم به البعض من ضعاف الوطنية، وذوي الأطماع، ومقتنصي الفرص… من تحركات واتصالات بقصد استمالة الرأي العام حولهم وتكوين جبهات وتكتلات سواء بالبحث عن رؤوس قوائم حزبية، أو أحرارًا.

  • فالطموح الذي يسعى الكثير مـن السياسيين إلى تحقيقه يتمثل في: حركة الأحزاب السياسية، وبعض محترفي السياسة (قادة الرأي، بعض أعيان المجتمع، بعض أصحاب رؤوس الأموال). من أجل جلب اهتمام أكبر عدد من الرأي العام نحو بعض القضايا الإستراتيجية والحساسة.

لكن تلك الأحزاب السياسية لا تلقي أي اهتمام لعامل التشبيب بالرغم من أنها تغنت به، ودعت إلى تفعيله في عدة مناسبات. منذ إقرار الإصلاحات السياسية في 15 أبريل من سنة 2011. فالأطراف الفاعلة في الحقل السياســي لا تعرف دورانًا سلسًا ومرنًا للنخبة الحزبية؛ فبقاء القيادات واستمرارها، وغياب التناوب على السلطة هي الخاصية الغالبة والأساسية فيها. فلماذا لا تفسح تلك الأحزاب المجال أمام المشاركة السياسية الحزبية من تجديد نخب وقيادات فيها، ودخول فئات شابة وتوسيع قاعدة الحزب الاجتماعية؟

  • أمــــا الأمـل الـــذي ينشـــــده ويؤمـــــــن به المواطن الممارس للعملية السياسية فيتمثل في إمكانية التنمية الشاملــة(الاقتصاديــة،الاجتماعيـــة،الثقافيـــة … وتــركيــــزا على التنمية السياسية) التي تعني:
  • زيادة النظام السياسي في قدراته من حيث تسيير الشؤون العامة وضبط النزاعات وتلبية المطالب.
  • الزيادة في التوجيه نحو المساواة من خلال المشاركة السياسية والانتقال من ثقافة الخضوع إلى ثقافة المشاركة بطرق ديمقراطية.
  • التجنيد في المناصب العامة على أساس الجدارة وليس عبر الطرق التقليدية.

ولما كانت البلدية في التشريع الجزائري، وحسب قانون البلدية (11/10) المؤرخ في: 22 يوليو 2011 تعني وتُعنى على التوالـي:

المادة(2): [البلدية هي القاعدة الإقليمية اللامركزية ومكان لممارسة المواطنة، وتشكيل إطار مشاركة المواطن في تسيير الشؤون العمومية].

المادة(3/2): [… وتساهم مع الدولة بصفة خاصة في إدارة وتهيئة الإقليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والأمن وكذا الحفاظ على الإطار المعيشي للمواطن وتحسينه].

فإن أصحاب ذلك الأمل سطروا بعض الشروط، وبدأو يبحثون عن من تتوافر فيهم تلك الشروط، لحثهم لتشكيل قائمة لخوض غمار المحليات القادمة. أشخاص ذات كفاءة وجدارة وذات نزاهة ومهنية. من أجل إبعاد المجلس القادم عن أشكال الشبهة والتقوقع، والبطء والانسداد، ولقطع الطريق أمام ذوي الأطماع والمصالح الشخصية، والابتعاد عن ما يشبه « كرنفال في دشرة»، وعن ما يشبه الحالة الراهنة.

  • وأمـا عـن ذوي النظـرة الضيقـة المحـدودة فهـــم أطراف موسميين وطفيليين؛ ينشطون في أوقات الانتخابات يلعبون على وتر القبيلة أو العشيرة و الجهوية. والذي قد يأخذ طابعًا ونوعًا من الصراع المعلن أحيانًا والخفي أحيانًا أخرى؛ فتجد أشخاصًا من العرش الفلاني، وآخرون من العرش العلاني يتسابقون من أجل أن يكون رئيس البلدية من جلدتهم وطينتهم، وغالبيتهم يؤمنون بمبدأ:
  • عُشر وأقصد به تقسيم المشاريع التنموية المخصصة لتغيير اللونين الأبيض والأسود عن المنطقة، والتي فـــي الأســاس لا تتخطـى باطـــن الأرض وما فوقـــه بقليــل (الصرف الصحي، وأرصفة الطرقات المتهرئة) تقسيمها بينهم وبين حاشيتهم.
  • عشيرة وأقصد بهم الذين يريدون تشكيل مجلس من العائلة التي ينتمون لها ولو على حساب المصلحة العامة، وأحيانا تجد أكثر من مجموعة تنوي دخول المحليات من عائلة واحدة (أقصد بعائلة واحدة بلقب واحد).
  • معاشرة وهم من يُبجِلون أصهارهم حتى على الصنف السابق؛ فالمصاهرة هنا تتعدى الانتماء العائلي الكبير. فقد نجد فردًا يتعارك مع أقاربه زمن الانتخابات بسبب صهره. من أجل إظهار أحقية هذا الأخير على حساب شخصية نزيهة وجديرة بالتأييد. وهذه الأصناف كلها مادية مائة بالمائة.

لعدم الوقوع في حالة ارتباك وعد الثقة في المواقف الشخصية اتجاه الحالات العامة السابقة. لا بد من تحكيم العقل وإسقاط كل حالة على الوضع الحالي للمنطقة، ومقارنة ما هو حاصل وموجود على أرض الواقع، وبين ما هو مرغوب ومنشود. ومحاولة عدم الوقوع في أخطاء تتكرر كل استحقاقات دون فائدة تذكر على بلدياتنا وولاياتنا.

أكثر ما أتخوف منه شخصيًا هو أن تكون نهاية المشهد تراجيدية؛ حين تُغلّب المصلحة الشخصية يوم الصندوق. رغم كل المجهودات والتحركات المضنية التي -أوجدت – نوع من التوافق الجماهيري حول مجموعة من الوجوه الشابة. هذا السيناريو غير مستبعد لعدة أسباب من بينها طغيان وتفشي المبادئ السابقة في أوساط العديد من أفراد المجتمع للأسف. وحين يتحقق تخوفي أو يتجسد السيناريو تكون الطامة الكبرى؟!

لهذا لا بد أن لا ننساق وراء التعصب للعشيرة وللحزب كذلك على حساب الصالح العام. يجب أن نتحين وندفع بنخب وشخصيات مشهود لها بالكفاءة والجدارة للهروب بالواقع المزي لمجالسنا المحلية إلى بر الآمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرداءة
عرض التعليقات
تحميل المزيد