منذ عدة عقود مضت وبعض الشعوب العربية تتغنى بالأمن والأمان الذي تتمتع به دولهم و ما فتئت تردد ذلك الشعار حتى اللحظة، إلى أن بات هم المواطن أن يأكل ويشرب ويمارس حياته الرويتينة وينام قرير العين طالما أنه يشعر أنه بإمكانه الخروج من منزله دون أن يتعرض للاختطاف أو القتل، أو أن يقتحم عليه أحدهم داره ويسلبه ماله أو ينتهك عرضه!

-ولكن هل ذلك الوضع باقِ إلى يومنا هذا على ما هو عليه؟

-وإن تغير وتبدل الحال فما الذي يجعل البعض يردد أنه يتمتع بالأمن والأمان ليل نهار؟

نستطيع أن نقول أنه مع اندلاع الثورات العربية عام 2011 وفي ظل ثورة التكنولوجيا التي عرّت الحكومات المستبدة وأصبح اطلاع المواطن العربي على ما كان محظور ًا عليه من قبل أمرًا ممكنًا، فاشتعلت نار القمع لكل معارض أو مدافع عن حقوق الإنسان في الداخل وصار هم تلك الحكومات الأوليجاركية في الخارج هو وأد تلك الثورات ومنع نجاحها بكل ما أوتيت من قوة، وباتت سياستها الخارجية هي دعم ذلك الانقلابي والمشبوه الذي بينه وبين النزاهة والعدل بون شاسع لئلا يصل ذلك الحاكم العادل الذي يرتضيه شعبه ويحبهم ويحبونه دون أن يجبرهم على ذلك بالرهبة منه، فتنتقل عدوى الحراك والمناداة بالتغيير وربما يرتفع السقف ليزلزل عروشنا إلى شعبنا الذي علمناه الصمت على الضيم والعبودية إلى أن أصبحت جزءًا لا يتجزأ من شخصية الفرد حتى صارت عادة!

كما أن تلك الأنظمة القمعية نجحت في تخويف المواطن مما حصل في الدول الجمهورية بسبب الثورات التي أقنعوا الشعوب أنها أدت إلى الفوضى والخراب والدمار والتهجير، وكأن لسان حالهم يقول: لولا ثورة ذلك الشعب لما كان ما كان، والحقيقة هي أن الانفجار العربي بحد ذاته لم يكن سببًا في قتل الأبرياء وتهجيرهم والاعتداء عليهم، بل إن السبب المباشر هي الدول التي دعمت الثورات المضادة التي لولاها ولولا لعبة المصالح الدولية الداعمة للطغاة لنجح ذلك الانفجار تدريجيًّا، فكما هو معلوم لدى الجميع أن البناء صعب ويحتاج إلى وقتٍ كافٍ لإصلاح ما أفسده الديكتاتور وحاشيته، وليس كالهدم الذي يتم بلمح البصر، والفوضى التي يصاحبها في نهاية المطاف الاستقرار ونيل النتائج المرجوة من أي فعل لا بد منها.

إذ أن أي تحول من حال إلى حال بحاجة إلى أن تواجهه عواصف تختلف قوتها من موقف إلى موقف، فما بالنا في اقتلاع نظام سياسي جثم على صدر المواطن عقودًا واستبداله بنظام آخر يحقق الكرامة والحرية والأهداف المنشودة التي ثار من أجلها الشعب.

من منطلق الترهيب والاقناع بعملهم الداعم للطغاة أشباههم بات هم المواطن العربي الذي لم تمتد له يد الثورة بعد، أن يحيا باطمئنان وأمن وأمان وإن كان على حساب حريته وكرامته بل ورزقه الذي أخذ يقطع عنه بشكل كبير.

-متى يستطيع أي شعب في هذا العالم ان يقول ملء فمه أنه يعيش بأمن وأمان؟

-علينا أن نفهم أولًا أن مفهوم الأمن واسع ولا يمكن حصره بحماية المجتمع من القتل والنهب والاعتداء على الأعراض، بل له أنواع لا بد أن تتو فر منها الأمن الاجتماعي، والغذائي، والفكري، والسياسي، فالأمن لا يتحقق بمجرد عدم سماع المواطن لصافرات الإنذار، أو رؤيته لما يحصل لأهلنا في سوريا وفلسطين والعراق، وفي كل مكان من قتل ودمار في وطنه واطمئنانه لبعده عن وقوع تلك الأحداث عليه أو أنه في منأى عن ذلك، فالأمن كما قلنا هو أعم وأشمل.

-فلا يمكن فصل أسباب تحقق الأمن في دولة ما أو انعدامه عن بعضها، فعندما يكون المواطن آمنا هذا يعني أنه يستطيع أن يعبر عن رأيه بكل حرية وأن لا يخشى في الله لومة لائم لا أن يصمت خشية الحاكم! فإذا لم يتوافر هذا الشرط فهذا يعني أن الخوف قد حلَّ مكان الأمن!

-أن يسود العدل لا الجور والطغيان والسجن والتعذيب والقتل.

كان منهج عمر –رضي الله عنه- عدم تعذيب الناس وقهرهم فكان يوصي موظفيه الذين يبعثهم على البلاد المختلفة «أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلَا تُجَمِّرُوهُمْ- أي لا تحبسوهم في الرباط والثغور عن العودة لأهليهم- فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ».

-أن يكون هناك عدالة في توزيع الثورة لا أن تتمركز بيد الحاكم وأسرته وينتشر الفقر المدقع.

-أن يكون العمل لصالح العباد والبلاد بحيث تكون هناك بنى تحتية وحلّ لمشكلة السيول الجارفة كمثال، لا أن تهطل الأمطار فتصبح مصدر خوف للإنسان والحاكم يصلي صلاة الاستستقاء بلا استعداد!

يفترض بالمواطن أن يكون واعيًا لمجريات الأمور ولكل ما يحاك ضده، فنظرية المؤامرة قد تكون موجودة من جهة حاكمه الذي يظنه أمينًا على الحكم،و أن لا يسمح لولي أمره أن يوهمه بأن الأمان أهم من الحرية، قل أريدهما جميعًا بلا تخيير بينهما، فالمفاضلة بينهما لا مكان لها البتة، فنحن نريد أمانًا حقيقيًّا أولًا من قمع المستبد وتعذيبه لكل غيور ومصلح، فالحاكم أيًا يكن ليس قويًا عندما لا يستطيع توفير الأمان للشعب فهي من ضمن واجباته التي عليها أن يقوم بها تجاه المواطن.

وطن بلا أمان يصعب العيش فيه،

وأمان بلا حرية الحُر لا يرتضيه،

لا أمان ولا حرية تجب الثورة على حاكميه.

مثلما أن العدل والظلم لا يجتمعان، فالحرية والأمن لا ينفصلان، لذا نريدهما معًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد